لم يعد السؤال اليوم: ماذا تعرف؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: كم شهادة تحمل؟ نعم نحن اليوم نعيش ثورة غير مسبوقة في الشهادات المهنية، منها ما هو مجاني ومنها ما يكلف مبالغ كبيرة، منها ما نعرف مرجعيته وقيمته، ومنها ما تقدمه شركات تجارية بأسماء براقة وتسميات تتغير بتغير الموضة المهنية. حتى مفاهيم مثل الزمالة والاعتمادات المهنية توسعت بشكل جعل المشهد أكثر ازدحامًا، وأكثر إرباكًا للباحث عن العمل والموظف وصاحب القرار معًا.

المشكلة ليست في الشهادات فالتعلم والتطوير المهني ضرورة، وبعض الشهادات بالفعل تصنع فارقًا حقيقيًا في مسيرة الإنسان المهنية. المشكلة في أن الشهادة بدأت تفقد شيئًا من قيمتها عندما أصبحت صناعة قائمة بذاتها، وسوقًا مفتوحًا يتنافس فيه الجميع على بيع الوعد نفسه بمعنى شهادة جديدة قد تقربك من وظيفة، أو ترقية، أو راتب أفضل.

أصبحنا أمام موظف يجمع الشهادات كما يجمع البعض الطوابع البريدية سابقا، يضيف واحدة إلى سيرته الذاتية ثم يبحث عن التالية، قبل أن يمنحه الوقت فرصة ليختبر ما تعلمه في الواقع. وأصبح الباحث عن وظيفة يشعر أحيانًا أن عليه أن يملأ سيرته بالعشرات منها، حتى يستطيع منافسة الآخرين، وكأن الخبرة والقدرة على التفكير والإنجاز أصبحت تفاصيل تأتي بعد قائمة الشهادات. وهنا يبرز السؤال الحقيقي هل أصبح سوق العمل صعبًا إلى هذا الحد، أم أننا صنعنا حوله منظومة جعلت الإنسان يشعر بأنه غير مؤهل ما لم يشترِ تأهيلًا جديدًا؟


الأكثر إثارة للقلق أن كثرة الشهادات بدأت تخلق أزمة ثقة، فعندما تتساوى في السيرة الذاتية شهادات صادرة عن جهات عالمية مع أخرى لا يعرف أحد وزنها المهني، يصبح صاحب العمل أمام مهمة إضافية وهي أن يكتشف قيمة الشهادة قبل أن يكتشف قيمة صاحبها. فقد تجد شخصًا يحمل عشر شهادات، لكنه عندما يوضع أمام مشكلة حقيقية لا يعرف كيف يتعامل معها. وقد تجد آخر لا يملك إلا شهادة أو اثنتين، لكنه يملك سنوات من الخبرة، ويفهم عمله، ويتخذ القرار في الوقت المناسب، ويصنع أثرًا واضحًا. المشكلة إذن ليست في أن نتعلم أكثر، بل في أن نخلط بين التعلم وبين جمع الشهادات.

الشهادة الحقيقية ينبغي أن تكون انعكاسًا للمعرفة والمهارة، لا بديلًا عنهما. وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الأوراق بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الكفاءة. فربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا قبل التسجيل في الشهادة القادمة، ونسأل هل نحتاج فعلًا إلى هذه المعرفة، أم نحتاج فقط إلى شهادة جديدة نضعها في سيرتنا الذاتية؟ لأن سوق الشهادات - إذا لم ننتبه - قد يتحول من وسيلة لتطوير الإنسان إلى شبه سوق الخضار بعد صلاة الجمعة، تُباع فيه الثقة بالنفس بشهادة.