لم يكن السؤال اعتراضًا على إنشاء السدود، ولا إنكارًا لأهميتها في حماية الأرواح والممتلكات وتوفير المياه، وإنما كان دعوة إلى مراجعة فلسفة إنشائها وإدارتها، ومدى تحقيقها للأهداف التي أُقيمت من أجلها.
أعاد هذا التساؤل إلى ذهني حديث أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة الملك سعود الدكتور عبدالله الوليعي، في أحد لقاءات البودكاست، حين انتقد إنشاء السدود التي تتحول إلى ما وصفه بـ«بحيرات تبخير»، فتُحتجز المياه خلفها وتتعرض للفقد بالتبخر بدلًا من الاستفادة منها في تنمية الموارد المائية. ثم نشر الوليعي في السابع من أكتوبر الجاري خبر دعوته، إلى اجتماع موسع لمناقشة سياسة السدود وأهدافها وآثارها وبدائلها. وهي خطوة إيجابية تفتح الباب لحوار علمي نأمل أن يثمر عن تطوير إدارة الموارد المائية. أعادني ذلك إلى تساؤلي القديم: ماذا تغير خلال خمسة عشر عامًا؟ وهل أصبحت السدود أدوات فاعلة لتنمية الموارد المائية، أم أن بعض الإشكالات التي حذرنا منها لا تزال قائمة؟
السد في حد ذاته ليس نعمة مطلقة ولا نقمة مطلقة؛ فهو منشأة هندسية تتحدد قيمتها بما تحققه من منافع، وما تتجنبه من أضرار. وقد يكون وسيلة فاعلة لتنمية الموارد المائية، كما قد يتحول، إذا غابت الإدارة المتكاملة، إلى حاجز يحبس المياه عن الأراضي الزراعية والخزانات الجوفية التي اعتادت أن تتغذى من جريان السيول.
قلت في مقابلة تلفزيونية على هامش تلك الورشة إن إنشاء السدود الكبيرة في المناطق الجافة وشبه الجافة ليس بالضرورة الخيار الأمثل لتنمية الموارد المائية، خصوصًا في أودية تهامة، حيث عرف المزارعون منذ قرون كيف يوجهون مياه السيول إلى أراضيهم باستخدام العقوم الترابية، فتنتشر المياه فوق مساحات واسعة، ويتسرب جزء منها إلى باطن الأرض، مجددًا مخزونها الجوفي. ولم يكن اعتراضي على السدود بوصفها منشآت هندسية، وإنما على أن تُنشأ دون أن تكتمل منظومتها المائية بقنوات الري ومنشآت توزيع المياه وبرامج التشغيل والإدارة.
في أودية تهامة، لا يمكن النظر إلى السد بمعزل عن الوادي الذي أُقيم عليه. فالوادي منظومة مائية متصلة تبدأ من المرتفعات الجبلية، وتعبر السهول الزراعية، وتنتهي عند البحر الأحمر. وخلال هذه الرحلة تؤدي مياه السيول وظائف متعددة؛ فهي تروي الأراضي، وتغذي الخزانات الجوفية، وتجدد الحياة النباتية، وتسهم في استمرار النشاط الزراعي. وعندما تُحتجز المياه خلف السدود دون برامج مدروسة لتصريفها وتوزيعها، قد نحمي موقعًا من خطر السيول، لكننا نحرم مواقع أخرى من مورد مائي كانت تعتمد عليه.
استشهدت يومها بسد وادي جازان، الذي تراكمت في بحيرته كميات كبيرة من الطمي، فضلًا عن المشكلات التي ارتبطت بركود المياه، ومنها تكاثر البعوض الناقل لحمى الوادي المتصدع. كما أشرت إلى سد وادي بيش، وما لاحظناه آنذاك من تأثر الأراضي الزراعية الواقعة أسفله نتيجة احتجاز مياه السيول. وكان التحذير واضحًا: ألا نكرر تجارب سابقة دون أن نستفيد من دروسها.
ولعل من المفارقات أن تُحجز المياه خلف السدود بحجة المحافظة عليها، بينما تتعرض للتبخر، في الوقت الذي تحتاج فيه الأراضي الزراعية والخزانات الجوفية إلى نصيبها من تلك المياه. ولا يعني ذلك الدعوة إلى إطلاق السيول دون ضوابط، فحماية التجمعات السكانية والمنشآت ضرورة لا خلاف عليها، وإنما المطلوب إدارة علمية تحقق التوازن بين السلامة العامة وتنمية الموارد المائية.
لذلك فالسؤال الأهم ليس: كم سدًا أنشأنا؟ ولا كم مليون متر مكعب تستطيع خزاناتها استيعابه؟ وإنما: كم من هذه المياه استفادت منه الزراعة؟ وكم تسرب منها إلى الخزانات الجوفية؟ وما أثر السدود في الأراضي الواقعة أسفلها؟ وهل توجد برامج تشغيلية واضحة لتوزيع المياه وفق احتياجات الوادي؟
الغاية من هذه المنشآت ليست إقامة الحواجز الخرسانية وتخزين المياه خلفها فحسب، بل تحقيق المنفعة للمجتمع، وحماية الإنسان، وتنمية موارده الطبيعية، واستدامة نشاطه الزراعي. فالنجاح الحقيقي لأي مشروع مائي لا يُقاس بضخامة منشآته، وإنما بمقدار ما يضيفه إلى حياة الناس، وما يحققه من أمن مائي وغذائي، وما يحافظ عليه من توازن بيئي.