من هذا المنطلق، جاءت ورشة العمل «إعادة توظيف المباني التراثية: من الحماية إلى التشغيل المستدام في مدينة مكة المكرمة»، التي نظمتها الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بالتعاون مع مؤسسة التراث غير الربحية، وأقيمت على مدى يومين، لترسم جسرًا إنسانيًا وحضاريًا يربط ماضينا العريق بمستقبلنا المستدام.
الحديث عن التراث العمراني في مكة المكرمة لا يمكن أن ينفصل عن العاطفة الروحية التي تجتاح كل من يطأ هذه الأرض. كل رواشينها الخشبية التي غازلت ضياء الشمس لقرون، وكل حجر قُدّ من جبالها الصابرة، يحمل أصداء ترحيب بضيوف الرحمن، وحكايات أسر مكية عاشت على قيم الكرم والرفادة.
الحفاظ على هذه المباني ليس ترفًا هندسيًا، بل هو واجب أخلاقي تجاه هوية تكاد تنزلق من بين أصابع الزمن. إن ترك هذه الشواهد للاندثار يعني محو فصول كاملة من السيرة الإنسانية للمكان. لذلك، فإن حمايتها هي صون لأرواحنا ونبض تفاصيلنا التي تشكلت في أزقة مكة العتيقة.
لعقود طويلة، كان مفهوم الحفاظ على التراث يقتصر على «المتاحف الصامتة» مبان تُغلق أبوابها وتحاط بالأسوار كقطع أثرية جامدة. لكن الورشة جاءت لتقدم رؤية أعمق وأكثر حنانًا: التشغيل المستدام.
إعادة توظيف المبنى التراثي تعني بث الروح فيه من جديد، ليصبح جزءًا فاعلًا في حياة المجتمع المعاصر. عندما يتحول بيت تراثي إلى مركز ثقافي، أو نزل تقليدي يحتضن زوار بيت الله، أو محترف للفنون المكية، فإننا لا نرمم الحجر الفاني فحسب، بل نعيد الحجر إلى دورة الحياة ليحكي قصته للأجيال الجديدة بلغتهم العصرية. إنها عملية توليد شجاعة، توازن بين قدسية الماضي ومتطلبات الحاضر.
لم تكن هذه الورشة مجرد لقاء أكاديمي جاف، بل كانت تظاهرة حب واهتمام، تجسدت في الشراكة الإستراتيجية بين الهيئة الملكية ومؤسسة التراث غير الربحية. وبحضور أكثر من 390 متخصصًا وممارسًا، تحولت القاعات إلى خلايا تفكير نابضة بالغيرة على تفاصيل مكة.
توزعت النقاشات على مدار يومين لتشمل أدق التفاصيل؛ من معايير التدخل المعماري الحذر الذي لا يخدش أصالة المبنى، وصولًا إلى نماذج التمويل والإدارة التي تضمن ألا تموت هذه المبادرات بعد رحيل المطورين. كما فتحت الورشة آفاقًا ساحرة لدمج التقنيات الحديثة مثل المسح ثلاثي الأبعاد ونمذجة معلومات المباني (HBIM)، وكأن العلم الحديث ينحني إجلالًا وتوقًا لخدمة التاريخ، مسجلة مؤشر رضا استثنائي بلغ 4.87 من 5.