من أعجب ما ابتُلي به الإنسان أنه لا يرضى أن يكون نفسه؛ فهو ينظر إلى ما في أيدي الناس، فيستصغر ما في يده، ويقيس حياته بحياتهم، وأيامه بأيامهم، ونجاحه بنجاحهم، حتى ينتهي به الأمر إلى أن يعيش عمرًا كاملًا في طلب حياةٍ ليست حياته، ويهمل الحياة الوحيدة التي مُنحها ليعيشها.

وليس أشقى الناس من قلّت حظوظهم، ولا أتعسهم من ضاقت بهم السبل؛ فقد يكون المرء واسع الرزق، موفور المكانة، محبوبًا بين الناس، ثم لا يكاد يجد في نفسه فسحةً للرضا. كأنما جعل بينه وبين الطمأنينة شرطًا لا يتحقق، وبين سعادته وأمنيةً لا تنتهي، فإذا بلغ غايته نصب لنفسه غايةً أخرى، وإذا استراح إلى نعمةٍ لحظةً، أفسد عليه راحته تفكيره في نعمةٍ لم ينلها بعد.

وهكذا يمضي عمره، لا يعيش ما عنده، بل ينتظر ما ليس عنده؛ ولا يفرح بما أحرز، بل يحزن على ما سبقه إليه غيره. حتى إذا اجتمعت له أسباب الراحة، بقي في أعماقه مضطربًا، كأنما يسكن قصرًا من النعم، ويقف على بابه حارسٌ لا يسمح له بالدخول.


ولقد تأملتُ في أحوال الناس، فرأيت أن كثيرًا من شقائهم لا يأتيهم من قسوة الحياة، بل من قسوة المقاييس التي يزنون بها الحياة. فليس يكفي الإنسان أن يكون ناجحًا؛ بل يريد أن يكون أنجح من فلان، وليس يكفيه أن يكون جميل الأثر؛ بل يريد أن يكون اسمه أسبق إلى الألسنة، وليس يكفيه أن يحيا حياةً كريمة؛ بل يريد أن تبدو حياته في أعين الآخرين أكرم من حياتهم.

وهنا تنقلب النعمة عبئًا، والطموح قيدًا، والسعي إلى الأفضل ضربًا من العذاب؛ لأن الإنسان لم يعد يسعى ليبلغ غايةً يحبها، بل صار يسعى ليثبت للآخرين أنه جديرٌ بما بلغ، كأنما لا قيمة لإنجازه حتى يشهد الناس له بالقيمة، ولا معنى لنجاحه حتى يُقرّ به من حوله.

وما أشدّ فقر الإنسان حين يجعل غناه مرهونًا بنظرة الآخرين إليه!

إنه قد يقضي سنواتٍ في بناء صورته أمام الناس، ولا يمنح نفسه ساعةً واحدةً ليعرف حقيقتها. يتعلّم كيف يتحدث ليُعجب، وكيف يلبس ليُرضي، وكيف يختار ليُقال عنه إنه أحسن الاختيار؛ ثم ينسى، في غمرة هذا كله، أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا: أأنا سعيدٌ بما أفعل، أم أنني أحسن أداء الدور الذي ينتظره مني الآخرون؟

وليس أخطر ما في هذا المسلك أنه يُتعب صاحبه فحسب، بل أنه يُبعده عن نفسه شيئًا فشيئًا؛ فيصبح غريبًا عن رغباته، مترددًا في اختياراته، خائفًا من أحكام الناس أكثر من خوفه من أن يمضي عمره في غير ما يحب. وقد يبلغ به الأمر أن يستحي من بساطته إذا خالفت تعقيد الآخرين، ومن قناعته إذا خالفت شراهتهم، ومن هدوئه إذا كانت الضوضاء هي الطريق الأقصر إلى الظهور.

وما علم أن لكل إنسانٍ طريقًا لا يصلح أن يمشيه غيره، وأن اختلاف المقادير ليس دليلًا على اختلاف الكرامة، وأن تأخّر المرء في ميدان لا يعني أنه متأخر في الحياة كلها.

فالشجرة لا تعتذر لأنها لا تُثمر في الشتاء، والبحر لا يستحي من سكونه إذا سكنت الريح، والأرض لا تحتقر نفسها لأنها تُنبت الورد في موضعٍ وتُنبت القمح في موضعٍ آخر. فلماذا يطالب الإنسان نفسه بأن تُزهر في كل الفصول، وأن تُحسن كل الفنون، وأن تبلغ كل الغايات، ثم يلومها إذا عجزت عن حمل ما لم تُخلق لحمله؟