هذه المفارقة تقود إلى سؤال أعمق من تسويق الأبحاث: هل نُحسن شراء المعرفة التي نحتاجها؟ فالمنشأة لا تحتاج دائمًا إلى اختراع تقتنيه؛ قد تحتاج إلى تفسير تعتمد عليه، أو طريقة تتقنها، أو دليل يمنعها من استثمار خاسر. وهنا يصبح البحث جزءًا من صناعة القرار، لا وثيقة تُضاف إلى ملفه بعد اتخاذه.
بلغ الإنفاق السعودي على البحث والتطوير 29.48 مليار ريال في 2024، بزيادة 30.4% عن العام السابق، وفق نتائج الهيئة العامة للإحصاء المعلنة في 13 نوفمبر 2025. وبلغ نصيب قطاع الأعمال من الإنفاق 40.3%، مقابل 19.5% للتعليم العالي. هذا توسع مهم في الموارد المخصصة للبحث؛ لكن توزيع الإنفاق بين القطاعات لا يقيس وحده حركة المعرفة بينها، ولا يحدد كم مشروعًا غيّر ممارسة إنتاجية أو حمى منشأة من قرار مكلف. فحساب ما أنفقناه ليس هو حساب ما تعلمناه، وكلاهما ضروري.
وليست الساحة خالية من أدوات الربط. تضمنت برامج المنح البحثية لعام 2025 «منحة تحالفات الابتكار الأكاديمي–الصناعي»، لتعزيز الشراكات وتطوير تقنيات تلبي احتياجات السوق. لذلك لن تضيف دعوة عامة إلى «ربط الجامعات بالصناعة» كثيرًا؛ فالربط هدف قائم بالفعل، وما يستحق الفحص هو شروط تحققه.
وفي 11 فبراير 2026، قدمت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار تشخيصًا يستحق الوقوف عنده، حين أطلقت «إطار مناطق الابتكار» لمعالجة تفاوت نضج المناطق القائمة، ونقل التركيز من إدارة الممتلكات والمرافق إلى بناء المجتمعات المعرفية وتفعيل التعاون البحثي. وفي تقديري، يفتح هذا التشخيص بابًا لنقد أدق: قد نجمع المختبر والشركة في مكان واحد، من دون أن نجمعهما على سؤال واحد. فالمسافة التي تفصل بينهما قد تكون في طريقة العمل، لا في طول الطريق.
لا تبرر هذه الوقائع اتهام الجامعات بالعزلة، كما لا يكفي وجود البرامج لإثبات سهولة التعاون لكل منشأة. موضع النقد هنا محدد: حين نمول بحثًا لمعالجة مشكلة تشغيلية، ينبغي أن نعرف ما القرار الذي ينتظر نتيجته، ومن يملك صلاحية اتخاذه، وما الذي سيبقى لدى المنشأة بعد مغادرة الباحث.
أول التعثر المحتمل أن تُرفع إلى المختبر رغبة في حل، لا مشكلة جرى تشخيصها. «نريد مادة أفضل» ليست سؤالًا كافيًا. أفضل تحت أي ظروف؟ وبأي كلفة؟ وهل الخلل في المادة أم في استخدامها؟ لذلك أقترح إتاحة مرحلة تشخيص قصيرة ضمن برامج الشراكة القائمة، يتولاها باحث ومهندس من المنشأة، بتنسيق مكتب الشراكات الجامعي. يفحصان سجل الأعطال والعينات والبدائل المتاحة قبل التعهد بتطوير تقنية جديدة.
وتنتهي المرحلة بـ«بطاقة قرار» تُلحق بعقد البحث: المشكلة كما تثبتها البيانات، وما لا نعرفه عنها، والبدائل التي نفاضل بينها، والأدلة اللازمة للترجيح، والمسؤول عن استخدام النتيجة. وفي مثال القطعة المتآكلة، يكون السؤال: هل نغير المادة، أم طريقة التطبيق، أم ظروف التشغيل؟ أما إذا تبين أن الحل معروف ومتاح، فتُحال المهمة إلى الصيانة أو الخدمة الفنية المناسبة. إن اكتشاف أننا لا نحتاج إلى مشروع بحثي جديد قد يكون أفضل ما تقدمه مرحلة التشخيص؛ فالغاية معالجة المشكلة، لا إطالة عمرها داخل مشروع.
بعد ذلك يأتي العقد. وهنا يجب ألا نعاقب الباحث على أمانته حين لا تؤيد التجربة فرضيته. الأجدى ربط مستحقاته بتنفيذ المنهج المتفق عليه، وتسليم البيانات القابلة للمراجعة، واستيفاء مراحل العمل، لا بالحصول على نتيجة إيجابية ترضي الممول. فدليل موثوق يستبعد طلاءً غير ملائم قد يمنع خسارة؛ أما تجربة غير كافية للحسم فلا تتحول، بمجرد انتهاء التمويل، إلى نجاح. المطلوب حماية النتيجة السلبية المنضبطة، لا إعفاء العمل الضعيف من المساءلة.
وللحديث صلة...