ممارسات واعية
منذ نعومة أظفاره، ترعرع المعلم حسن الحبيبي على حب الأرض، فكانت الحقول مدرسته الأولى، قبل أن تقوده مسيرته إلى قاعات التدريس معلمًا لمادتي العلوم والرياضيات لسنوات، غرس خلالها مفاهيم الحياة في عقول أجيال متعاقبة، مستخدمًا دقة الرياضيات وعمق العلوم في شرح تفاصيل الكون.
لكن شغفه بالتربة لم ينطفئ؛ فما إن أنهى مشواره الرسمي في التعليم حتى تفرغ للزراعة، محولًا خبرته الطويلة ومعرفته العلمية إلى ممارسات زراعية واعية، أسهمت في اختياره مزارعًا قياديًا من قبل منظمة «الفاو»، تقديرًا لجهوده في تطوير الأساليب الزراعية المحلية.
ولم تقتصر رحلة المعلم المزارع على استصلاح مزرعته الخاصة وتحسين إنتاجها، بل آمن بأن المعرفة الزراعية تكتمل فائدتها بنقلها إلى الآخرين. ومن هذا المنطلق، تجاوز بجهوده حدود مزرعته، وانطلق في جولات إرشادية وميدانية نقل خلالها خبرته التراكمية وأفكاره حول الزراعة المستدامة وطرق مكافحة الآفات بالوسائل العلمية إلى المزارعين في المنطقة، محولًا مزرعته وحلقاته النقاشية إلى مدرسة مفتوحة لكل من يسعى إلى تطوير محاصيله وزيادة إنتاجيته.
المحافظة على الأرض
أكد المزارع حسن حبيبي لـ«الوطن» إيمانه بأن الزراعة ليست مجرد إنتاج محصول، بل تشمل المحافظة على الأرض والمياه والبذور، ونقل المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر. وأشار إلى أنه انتقل من تعليم الطلاب داخل الفصول الدراسية إلى مواصلة التعلم والتعليم في الحقول الزراعية، وجعل من مزرعته ميدانًا للتجربة والبحث وتبادل المعرفة، سعيًا إلى الإسهام في خدمة المزارعين، والمحافظة على الموروث الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق تطلعات القيادة في تنمية القطاع الزراعي.
وأوضح أن اختياره من قبل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» ضمن المزارعين القياديين جاء نظير جهوده في المحافظة على البذور المحلية وإكثارها، وإجراء التجارب الزراعية، وتبادل الخبرات مع المزارعين، معتبرًا هذا الاختيار تكريمًا للمزارع السعودي عمومًا، ولمزارعي منطقة جازان على وجه الخصوص.
وأشار إلى أن أبرز أعماله تشمل تأسيس بنك البذور المجتمعي للمحافظة على الأصناف المحلية من الاندثار والعمل على إكثارها، إلى جانب تنفيذ أكثر من 60 حقلًا تجريبيًا خلال خمس سنوات، والاهتمام بتطوير أساليب الزراعة والري والحصاد، ونقل التجارب والمعرفة إلى المزارعين، والإشراف على منتدى مزارعي جازان، والمشاركة في مناقشة القضايا الزراعية والتحديات التي تواجه القطاع.
المزارع القيادي
وأوضح الحبيبي أن المزارع القيادي ليس بالضرورة من يمتلك أكبر مساحة زراعية أو يحقق أعلى إنتاج، وإنما هو من يجمع بين الخبرة والتجربة والمبادرة، ويعمل على تطوير الممارسات الزراعية ونقل المعرفة إلى الآخرين. فالمزارع القيادي لا يكتفي بالنجاح في مزرعته، بل يسعى إلى تمكين المزارعين من الاستفادة من تجاربه، ومشاركتهم البحث عن حلول للتحديات التي تواجههم.
وأشار إلى ارتباطه بالزراعة منذ الطفولة، واستمرار اهتمامه بها خلال سنوات عمله معلمًا للعلوم والرياضيات، قبل أن يتفرغ لها بصورة كاملة بعد التقاعد، مبينًا أنه استفاد من خلفيته التعليمية في اعتماد أساليب الملاحظة والمقارنة والتجربة وتحليل النتائج.
حقول تجريبية
وأوضح الحبيبي أنه نفذ، خلال خمس سنوات، أكثر من 60 حقلًا تجريبيًا على أصناف متعددة من الذرة الرفيعة والدخن والسمسم. وشملت التجارب مقارنة الأصناف من حيث النمو والإنتاجية، ودراسة مواعيد الزراعة وتحديد الفترات المناسبة والأوقات التي ينبغي تجنب الزراعة فيها، إلى جانب دراسة تأثير مسافات الزراعة والكثافة النباتية.
كما تضمنت التجارب مقارنة التسميد الكيميائي والعضوي والزراعة دون تسميد، وتجربة أنظمة الري المختلفة ومقارنة نتائجها، ودراسة توقيت السماح بدخول مياه السيول إلى الحقول ومتى ينبغي منعها، وتحديد طرق الحرث وإعداد الأرض المناسبة لطبيعة كل تربة.
وشملت جهوده أيضًا استيراد أنواع متعددة من آلات الحصاد وتجربتها والعمل على تعديلها وصيانتها وتكييفها مع المحاصيل المحلية.
وأكد أن من أبرز أعماله تأسيس بنك البذور المجتمعي بهدف المحافظة على الأصناف المحلية وإكثارها، إلى جانب الاستفادة من الأصناف المحسنة مثل «موجان» و«قدم الخير»، والسعي إلى توفير بذور جيدة للمزارعين. واعتبر هذه الأعمال تجارب تطبيقية ومحاولات تطويرية تهدف إلى الوصول إلى ممارسات زراعية أكثر كفاءة وإنتاجية، ونقل نتائجها إلى المزارعين للاستفادة منها.
بداية تقليدية
وأوضح الحبيبي أن بدايته كانت بممارسة الزراعة التقليدية للمحاصيل المحلية، قبل أن يتطور اهتمامه إلى دراسة الأصناف ومقارنتها، وإجراء التجارب الحقلية، وتحسين طرق الزراعة والري والحصاد.
وأضاف أن اهتمامه تجاوز حدود مزرعته إلى المحافظة على البذور المحلية، ونقل الخبرات الزراعية، والمساهمة في مناقشة قضايا المياه والتربة والتسويق والتنمية الزراعية، مؤكدًا طموحه إلى توسيع هذه الجهود لتصبح برامج عملية يستفيد منها أكبر عدد من المزارعين.
فخر واعتزاز
وبيّن الحبيبي أن تكريمه من أمير منطقة جازان الأمير محمد بن عبدالعزيز يمثل مصدر فخر واعتزاز، ووسامًا يعتز به وحافزًا لمواصلة العمل والعطاء. كما عدّه تكريمًا لكل مزارع جازاني حافظ على أرضه وتراثه الزراعي وأسهم في خدمة مجتمعه، مشيدًا بدعم القيادة والمسؤولين في القطاع الزراعي والمزارعين.
ماذا تحتاج جازان
أكد الحبيبي أن منطقة جازان غنية بالمقومات الزراعية، بفضل تنوع تضاريسها ومناخها وتربتها، وتعدد محاصيلها، وتوافر الأودية والأراضي القابلة للزراعة، إلا أن هذه المقومات تحتاج إلى استثمار أفضل من خلال خطط تنموية متكاملة.
وأوضح أن من أبرز الأولويات الإدارة المستدامة لمياه الأمطار والسيول، والاستفادة منها في ري الأراضي الزراعية وتغذية المياه الجوفية، مع مراعاة متطلبات السلامة. كما تحتاج المنطقة إلى تطوير التسويق الزراعي والصناعات التحويلية، ودعم الجمعيات الزراعية، وتشجيع الشباب على الاستثمار في الزراعة، وتوسيع خدمات الإرشاد والبحث العلمي التطبيقي.
وشدد على أهمية دراسة الميز النسبية التي تتمتع بها جازان وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية واستثمارية تسهم في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن من أهم مقومات المنطقة الزراعية تنوع بيئاتها بين الجبال والسهول والأودية والسواحل، وتعدد أنواع التربة، والمناخ الدافئ الذي يسمح بزراعة محاصيل متنوعة في مواسم مختلفة. وتشتهر جازان بزراعة الذرة الرفيعة والدخن والسمسم، وهي محاصيل تقليدية مرتبطة بتاريخ المنطقة وثقافتها الغذائية، إلى جانب المانجو والموز والبابايا والخضراوات والأشجار العطرية، وزراعة البن في المرتفعات الجبلية.
وأضاف أن المحافظة على الأصناف المحلية، وتطوير إنتاجيتها، والتوسع في إكثار البذور الجيدة، من المجالات التي تستحق الاهتمام، لما لها من دور في تعزيز الأمن الغذائي والمحافظة على التنوع الزراعي.
معوقات للمزارعين
وأكد الحبيبي أن الزراعة في المنطقة تواجه عددًا من التحديات، من أبرزها ضعف الاستفادة من مياه السيول في بعض الأودية، وتراجع تغذية المياه الجوفية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص العمالة الزراعية الماهرة، إلى جانب صعوبات التسويق وتذبذب أسعار المنتجات الزراعية.
وأضاف أن محدودية الصناعات التحويلية لبعض المحاصيل، وعزوف بعض الشباب عن العمل الزراعي، والحاجة إلى تطوير الميكنة الزراعية وتعزيز الإرشاد المتخصص، تمثل تحديات تستدعي المعالجة.
وأشار إلى أن تجاوز هذه المعوقات يتطلب تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الزراعية والمزارعين، وإشراك أصحاب الخبرة الميدانية في دراسة المشكلات ووضع الحلول المناسبة.