في حياتنا أشخاص، وغالبًا يكونون أقارب من الدرجة الأولى، أو قد يكون رئيسًا مباشرًا أو مرؤوسًا أو صديقًا مقربًا. هؤلاء الأشخاص ننزههم عن الخطأ، ونرى أنهم ــ دائمًا ــ يتحركون في دوائر الصح المطلق، ولا علاقة لهم بسوء النوايا، أو ظلامية الأفكار، أو حتى الأفكار الخطأ، بتعبير آخر نراهم «نماذج صحيحة وآراءهم صحيحة».

مع التقدم في العمر أو في مواقف مفصلية من حياة الإنسان، نكتشف أنهم يتحكمون في أفكارنا ومشاعرنا وحتى سلوكيّاتنا بالريموت كنترول. هذا الريموت تحركه قناعاتهم واعتقاداتهم، قاعدة البيانات الموجودة لديهم. هذا المستوى من العلاقات يتسم بالعاطفية أكثر من العقلانية أو المنطقية. مع افتراض حسن النية المطلقة فهم لا يقصدون الإساءة، بل بالعكس يقصدون الإحسان، لأنهم يستندون في توجيه الشخص الذي أمامهم على عواطفهم، انطلاقًا من محبتهم له، فهذا يمنحهم حق إحكام السيطرة على عقله وقلبه من خلال تحديد اتجاه مسار أفكاره ومشاعره. بالمقابل هذا الشخص المتلقي لإشارات هذا الريموت كنترول يكون خاضعًا بإرادته ــ ليس خضوع السلطة الجبرية ــ بدرجة عالية جدًا، فيتحرك وفق قناعاتهم، وغالبًا يكون خارج دائرة المنطق، أو على الأقل خارج دائرة القناعة الشخصية، ولكن برؤية تشوبها ضبابية، أو أنه لم تتشكل بعد شخصيته بالكامل.

في فترة من فترات حياة الإنسان، لا بد أن يفتح عينيه، فيبصر مصادر أخرى للنور، ويبصر النور ذاته من أي مكان ومن أي شخص على وجه الأرض، وإذا توقف أمام هذا الاكتشاف لن يتردد لحظة في أن يُفلت من سيطرة هؤلاء الأشخاص، ويغادر مساحاتهم، وأن يتوقف عن استقبال إشارات الريموت كنترول التي يتحكمون بها في حياته. ولكن لا ينتهج السوء من القول، لأننا متفقون من الأساس على افتراض حسن النية، فيبقى يحفظ لحظات الود والحب، ويُبقي حبال الوصل ممدودة.


هذا المستوى يمثل أعلى مستويات النضج الحقيقي، في البحث عن عين الصواب، بغض النظر عن مصدره، وعن قاعدة البيانات التي كان مقتنعا بها وينطلق من خلالها. هذا الشخص يشبه إلى حد كبير صندوقا أغلقه بنفسه بالمفتاح، وسلم المفتاح لشخص آخر وأعطاه صلاحيات فتح الصندوق، وأن يودع فيه ما يشاء ثم يعود ليغلقه ويأخذ المفتاح إلى أجلٍ غير مسمى. وفي لحظة من اللحظات، لحظة وعي، يقرر أن يستعيد المفتاح، ويفتح هذا الصندوق الذي يمثل شخصيته، يفتح أبوابها على مصراعيها، ويقرر أن تكون له أفكاره الخاصة ومشاعره الخاصة وقاعدة بياناته الخاصة به وبرحلته، بمفرده وبنور بصيرته.