وفي الحلقة الثانية من حواره الخاص مع «الوطن»، ينتقل بن قمشة من تاريخ مقاومة الحوثيين إلى مستقبل صعدة بعد الحرب، متحدثا عن موقعها في عملية «فجر اليمن»، والعلاقة التاريخية بين قبائلها والمملكة، والدعم السعودي السياسي والعسكري والاقتصادي والإنساني، وموقف أبناء المحافظة من الاعتداءات الحوثية على الأراضي السعودية والمقدسات.
كما يتناول آثار الحرب في السكان والزراعة ومصادر الرزق، مشيرا إلى أن عدد المهجرين من أبناء صعدة تجاوز 340 ألفا حتى عام 2012، بحسب إحصائيات المنظمات الدولية، قبل أن يرسم صورة لما يريده للمحافظة بعد استعادة الدولة، مؤكدا أن صعدة التي اشتهرت بالعنب والرمان والبن الخولاني ستعود إلى هويتها الزراعية والتنموية، وأن سنوات الحرب لن تبقى صورتها الدائمة.
كيف تقيمون عملية «فجر اليمن» حتى الآن؟ وما موقع صعدة في مسار استعادة الدولة؟
إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي انطلاق عملية «فجر اليمن» يمثل بداية لعملية ناجحة بإذن الله، وستحقق أهدافها، فبعد الظلام يأتي الفجر.
وصعدة برجالها ومناضليها وقياداتها في أول الصفوف من أجل استعادة الدولة وبسط النظام والقانون في كل ربوع الوطن. أبناء المحافظة يدركون أن استعادة مؤسسات الدولة ليست قضية تخص منطقة بعينها، وإنما هي قضية وطن كامل.
ونحن نؤمن بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تضافر الجهود العسكرية والسياسية والمجتمعية، لأن ما خلفته سنوات سيطرة الحوثيين لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مشكلة أمنية، بل يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة الثقة والاستقرار إلى المجتمع.
لماذا تأخرت عملية شاملة لاستعادة صعدة رغم أهميتها؟
عملية «فجر اليمن» خطة متكاملة ومدروسة تتكون من عدة مراحل، وعند نجاح المرحلة الأولى تنتقل إلى الثانية، وصعدة ضمن هذه المراحل، وإن شاء الله سيستبشر أبناء المحافظة بما يسرهم.
وقد رفعنا خطة شاملة لكيفية تهيئة المحافظة لاستعادة سلطة الدولة إلى القيادة السياسية وقيادة تحالف دعم الشرعية، ممثلة بالمملكة العربية السعودية، ونأمل أن تنال صعدة الدعم الكافي لما لها من أهمية إستراتيجية في معركة استعادة الدولة.
وطبيعة المحافظة وموقعها وتركيبتها الاجتماعية تجعل أي تحرك فيها بحاجة إلى إعداد متكامل، ولذلك فإن الهدف ليس مجرد تغيير السيطرة العسكرية، وإنما تهيئة الظروف لعودة مؤسسات الدولة والنظام والقانون والخدمات، حتى يشعر المواطن بأن ما بعد استعادة المحافظة مختلف عن سنوات الحرب.
كيف تصفون العلاقة التاريخية بين قبائل صعدة والمملكة العربية السعودية؟
علاقات أبناء صعدة وقبائلها بالمملكة العربية السعودية متجذرة في عمق التاريخ، وتجمعهم روابط قوية من الجوار والأخوة والمصاهرة.
وقد احتضنت المملكة أعدادا كبيرة من أبناء قبائل المحافظة على أراضيها، وعاملتهم كأنهم من أبناء الشعب السعودي، وهذا فضل لن ننساه، فقد عهدنا من المملكة كل خير.
وقبائل صعدة ممتدة عبر الحدود، فالقبيلة الموجودة في صعدة لها امتداداتها داخل المملكة. همدان بن زيد قبيلة واحدة، سواء من يسكنون محافظة صعدة أو من يسكنون نجران، وكذلك خولان التي يسكن جزء منها في صعدة، ويمتد جزء آخر منها باتجاه جازان وعسير.
وهذه الروابط القبلية والاجتماعية وروابط المصاهرة يصعب على الحوثي أو غيره تفريقها، لأنها لم تصنعها الظروف السياسية الحديثة، وإنما تمتد عبر أجيال طويلة.
هل أثرت الحرب الحوثية في نظرة أبناء صعدة إلى المملكة؟
الحوثي ومن ورائه إيران يسعيان إلى التأثير في علاقة قبائل صعدة بالمملكة، لكن هذا المسعى لن ينجح، لأن أبناء المحافظة يعرفون طبيعة العلاقة التاريخية التي تربطهم بالمملكة، ويعرفون ما قدمته لهم.
والقيادة السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تدرك ما يريده الحوثي وتعمل على إفشال هذه المخططات.
والدليل أن المملكة استمرت في تقديم الخدمات لأبناء المحافظة حتى أثناء الحرب، وما زال مستشفى السلام في صعدة يقدم خدماته الطبية، وهذا ما اعتاده أبناء المحافظة من المملكة. كيف تقيمون تعامل السعودية مع الملف الحوثي وأمنها القومي؟المملكة تعرف الحوثي ومن يقف وراءه، ولها الحق في الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها، وقد تعاملت مع الأزمة بحكمة وصبر، انطلاقا من محبتها لأبناء القبائل في صعدة.
وأبناء القبائل يدركون كيف تعاملت المملكة مع هذه الأزمة، وما تحملته من أجل الحفاظ عليهم وتجنب ما يمكن أن يمس المدنيين والمجتمع المحلي.
ولهذا فإن العلاقة بين أبناء صعدة والمملكة لا يمكن قراءتها من خلال سنوات الحرب فقط، فهي علاقة أعمق وأقدم من الحوثي ومن المشروع الذي جاء به. كيف تنظرون إلى دور السعودية والتحالف في دعم الحكومة اليمنية؟للمملكة العربية السعودية وتحالف دعم الشرعية الدور الأكبر، بعد الله، في دعم الحكومة اليمنية. فقد قاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومعهما الأشقاء في تحالف دعم الشرعية، عاصفة الحزم التي واجهت المشروع الإيراني في اليمن، بعدما كانت طهران تتغنى بأن صنعاء أصبحت العاصمة الرابعة التابعة لها.
وقدمت المملكة مختلف أوجه الدعم، وامتزج الدم اليمني بالدم السعودي ودماء أبناء دول التحالف في خندق واحد ضد المشروع الإيراني.
وفي الجانب الاقتصادي دعمت المملكة البنك المركزي بما ساعده على مواجهة الضغوط على العملة، كما قدمت دعما سياسيا للحكومة في المحافل الدولية ومراكز صنع القرار، وهو ما أسهم في تمكين الدولة من مواجهة التحديات والتهديدات.
أما في الجانب الإنساني، فيبرز دور مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بمشروعاته التي تمتد إلى مختلف المحافظات اليمنية.
ما أهمية مستشفى السلام بالنسبة إلى أبناء صعدة؟
مستشفى السلام السعودي واحد من أبرز المشروعات التي يعرفها أبناء صعدة، وهو يقدم خدماته منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي وحتى اليوم.
واستفادت منه أسر المحافظة، كما يقصده كثير من أبناء المحافظات الأخرى لتلقي العلاج، وهو نموذج واضح على أن العلاقة السعودية مع صعدة لم تكن وليدة الحرب أو السياسة.
ومنذ نشأتها واجهت الميليشيا الحوثية هذا المستشفى بالحملات والدعايات، في الوقت الذي واصلت فيه المملكة تقديم الخدمات والمشروعات لأبناء المحافظة. كيف ينظر أبناء صعدة إلى الاعتداءات الحوثية على السعودية والمقدسات؟تربط أبناء صعدة بالمملكة علاقات أخوة وجوار وثيقة، ولذلك فإنهم يعتبرون الاعتداءات التي طالت الأعيان المدنية والمقدسات الإسلامية اعتداء عليهم أيضا.
ونحن نرفض استهداف مكة والمدينة والمطارات المدنية وتعريض المسافرين والمعتمرين للخطر، فهذا سلوك ترفضه القيم الدينية والأعراف.
وقد أثرت الاعتداءات على المطارات في المعتمرين وزوار الأماكن المقدسة الذين يصل كثير منهم عبر هذه المطارات، كما كشفت للعالم وللمسلمين تحديدا التناقض بين الشعارات التي يرفعها الحوثي والممارسات التي يقوم بها. ماذا يعني قرار تصحيح أوضاع اليمنيين المخالفين لنظام الإقامة في السعودية لأبناء صعدة؟هذه لفتة كريمة تعودناها من المملكة وشعبها وقيادتها، وقد لاقت صداها في جميع أنحاء الجمهورية، ومنها محافظة صعدة.
وكل مغترب يستفيد من تصحيح وضعه ستنعكس الفائدة على أسرته التي يعولها، ولذلك أدخل القرار البهجة إلى كثير من الأسر التي لديها أبناء يعملون في المملكة.
واليمنيون يعتمدون بصورة كبيرة على المغتربين في تلبية احتياجات أسرهم، خصوصا في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الميليشيا، حيث سخرت الجماعة كثيرا من المؤسسات والمصالح لخدمة مشروعها ومجهودها الحربي.
وهنا يظهر الفارق بين مشاريع الدعم والبناء من جهة، ومشاريع القتل والهدم والتهجير من جهة أخرى. وقد كان أبناء صعدة من أكثر من عانوا التهجير، إذ تجاوز عدد المهجرين من المحافظة 340 ألفا عام 2012، بحسب إحصائيات المنظمات الدولية. كيف أثرت الحرب في الزراعة التي اشتهرت بها صعدة؟صعدة سلة غذاء اليمن، وقد اشتهرت بإنتاج العنب والرمان والخضروات بأنواعها والبن الخولاني، الذي يعد من أشهر أنواع البن، وكانت هذه المنتجات تصل إلى مختلف المحافظات اليمنية ودول الخليج.
كما يعد قاع صعدة من أشهر القيعان الزراعية، ولذلك فإن صورة المحافظة الحقيقية مرتبطة بالأرض والإنتاج والزراعة، وليس بالصواريخ والحرب.
والمشروع الحوثي دمر كثيرا من جوانب الحياة في المحافظة، وأدى استمرار الحرب إلى الإضرار بالزراعة ومصادر رزق السكان، كما غطت أخبار الصراع على الوجه الذي كانت تعرف به صعدة قبل سنوات الحرب.
لكننا على ثقة بأن صعدة، أرض السلام والرمان والعنب، ستعود كما كانت، وأن الإنتاج والزراعة والتنمية ستكون جزءا أساسيا من استعادة المحافظة. هل أمام صعدة فرصة لتغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بها؟بالتأكيد. صعدة ليست حاضنة للحوثي، وأبناؤها من أكثر من ضحوا وقاوموا هذا المشروع.
وعلى جميع أبناء المحافظة تحمل مسؤوليتهم تجاه صعدة، سواء في استعادتها من الميليشيا أو في تطبيع الحياة بعد الحرب، ولدينا ثقة بأن أبناء المحافظة أهل لهذه المسؤولية.
وتغيير الصورة لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما باستعادة مؤسسات الدولة وعودة الأمن والخدمات والزراعة والتنمية، ومعالجة آثار سنوات الحرب في المجتمع. ما الذي تحتاجه صعدة لإعادة بناء مجتمعها بعد الحرب؟نحن بحاجة إلى مصالحة اجتماعية حقيقية تعيد الثقة بين مكونات المجتمع، وبحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة من الأمن والقضاء والتعليم والصحة، حتى يشعر المواطن بأن الدولة عادت إليه.
كما نحتاج إلى دعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول التحالف لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية والطرق والمستشفيات والمدارس، حتى تنطلق عجلة الحياة من جديد.
ونحن ندرك أن الحرب خلفت انقسامات وأضرارا اجتماعية واقتصادية كبيرة، ولذلك فإن مرحلة ما بعد استعادة الدولة تحتاج إلى إصلاح العلاقات بين القبائل والأسر، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين والمهجرين واستئناف النشاط الاقتصادي والزراعي. ما رؤيتكم لصعدة بعد انتهاء الحرب؟نعمل في السلطة المحلية بكل ما نستطيع، ومعنا أبناء المحافظة، على إعداد الخطط والبرامج المتعلقة بصعدة في مختلف المجالات، ومن خلفنا القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي وأعضاء المجلس، وكذلك المملكة العربية السعودية.
ونثق بأن المحافظة ستنال الدعم الذي تستحقه، لأن صعدة لا تحتاج فقط إلى الخروج من الحرب، وإنما إلى استعادة صورتها ومكانتها وحياتها الطبيعية.
وصعدة عرفت تاريخيا بأنها أرض علم وزراعة وتجارة ورجال دولة، ثم جاءت الحرب لتغطي هذه الصورة بطبقة من السواد. وما نحتاجه هو إعادة تقديم صعدة كما هي في حقيقتها: مجتمعا قبليا متماسكا يحب العمل والأرض والاستقرار، ويرفض أن يختزل في جماعة مسلحة.
ما الرسالة التي تودون توجيهها في ختام هذا الحوار لأبناء صعدة واليمنيين عموما؟
رسالتي إلى أبناء صعدة خاصة، وإلى اليمنيين عامة، أن نتكاتف ونقف صفا واحدا لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وأن نتجاوز جراح الماضي وسنوات الصراع، ونبني المستقبل على أسس العدل والمواطنة المتساوية، ونرفض كل مشاريع التمزيق والتطييف التي مزقت مجتمعنا.
صعدة جزء أصيل من اليمن، واليمن جزء من محيطه العربي، ومتى ما استعدنا دولتنا ومؤسساتنا سنعود كما كنا، شعبا محبا للسلام والاستقرار، وشريكا فاعلا في أمن المنطقة واستقرارها.
ونوجه عبر «الوطن» رسالة إلى جميع أبناء صعدة نقول فيها: أبشروا بالخير، فالفرج قريب بإذن الله، وهذه الغمة ستزول.
صعدة التي عرفت بالسلام والرمان والعنب والبن لن تبقى أسيرة لصورة الصواريخ والحرب والدمار. سيعود الحق إلى أهله، وتعود الدولة ومؤسساتها، ويعود أبناء المحافظة إلى أرضهم وحياتهم.