هذه المرّة لم يطلق الساسة الإسرائيليون، الحاليون والمتوقّعون، أي وعود للداخل أو الخارج بأنهم يتطلعون إلى وضع جديد يتجاوزون فيه الخراب الذي ارتكبوه، بل يريدون المزيد من الشيء نفسه، وأكثر. حتى غادي إيزنكوت، مرشح «التغيير»، يطلب إمهاله نحو سنتين فقط كي ينجز مهمة «القضاء على حماس» التي لم يكملها خصمه الليكودي. وإذ يعارض الاثنان، بلا أي تمايز، إقامة «دولة فلسطينية»، فإنهما يؤكدان بلا تمايز أيضًا تطابق نظرتهما إلى ما يعتبرانه «خطر» الضفة الغربية، لمجرّد أن فيها نحو أربعة ملايين فلسطيني، ويجب إنهاء وجودهم بالتهجير القسري البطيء أو المتسارع. فهذا هو الدرس الأول المستفاد من «طوفان غزّة»، وقد نجح «يمين بن غفير- سموتريتش» في ترسيخه، مؤكدًا أن هذا كان ولا يزال الهدف المتوخّى من الاستيطان، ومن إنشاء إرهاب المستوطنين وميليشياتهم، تمثّلًا بإرهاب «الهاغانا» و«الارغون» وغيرهما، تحضيرًا لـ«النكبة» المقبلة، النهائية.
ليس محسومًا أن تأييد ترمب سيعزز حظوظ نتنياهو، شريكه/ أو مَن ورّطه في الحرب على إيران. لكن مجرّد تجاوز كلّ الأعراف وإعلان ذلك التأييد أشار إلى أن ترمب يعامل إسرائيل كدولة تابعة. وكان ردّ ايزنكوت بأن إسرائيل «دولة ديموقراطية» وأن شعبها مَن يختار رئيس وزرائها. هي «ديموقراطية» لكنها في الوقت نفسه دولة استعمارية «تسرق» الأرض (بحسب عبارة لديفيد بن غوريون) وتضطهد السكان المستَعمَرين على النمط الأميركي. وهي «ديموقراطية» لديها قضاءٌ بارع في تسويغ كلّ جرائمها في حقّ الفلسطينيين، ومع ذلك استفزّ نتنياهو معظم فئات المجتمع بسعيه إلى تطويع هذا القضاء ومعاقبته لأنه يحاكمه بتهم فساد. وهي «ديموقراطية» إلى حدّ أن المرشحين اليهود للانتخابات يعيّر بعضهم الآخر بأنه قد يتعاون مع «مواطنين» عرب منتَخَبين (خُمس السكان) ليحصل على غالبية لائتلافه الحكومي.
مقدار ما يكنّه المستعمِرون من حقد وازدراء للمستَعمَرين الفلسطينيين، مقدار ما كشفت الحملة الانتخابية من كراهية وحتى عنصرية بين الإسرائيليين أنفسهم حيال أعراقهم وأصولهم، ناهيك عن تعصّباتٍ شتى، صهيونية ودينية وعلمانية وليبرالية... كانت حملةً لتبرير الحروب، ودعوة إلى التصويت لاستمرارها، فتبارى المرشّحون لإثبات أن ما تبدّى من «وحشية الدولة» لم يكن كافيًا، فمع اليمين المتطرّف هناك الآن يمين أكثر تطرّفًا. يأخذون على نتنياهو أنه أوقف الحرب في غزّة وأجهض استيطانها، فقط لمسايرة «خطة ترمب»، رغم أنه عطّلها وواصل عرقلتها لإفشالها، ويقول إنه يعمل «شخصيًا» لتهجير الغزّيين. ويأخذون على ايزنكوت أنه يعارض عنف المستوطنين ويصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، رغم أنه يؤيد استيطانًا «وفقًا للقانون» (؟) ولا يريد بؤرًا «غير شرعية».
سجّل المعلّقون الإسرائيليون بشكل عابر أن ليس بين المرشحين أيّ «داعية سلام»، فأكثر ما يُنسب إلى ايزنكوت لتأكيد أهميته وقوّته أنه صاحب «عقيدة الضاحية» (نسبة إلى تدمير منهجي اتّبعه مع الضاحية الجنوبية لبيروت في حرب 2006). أما نتنياهو فلديه لائحة «إنجازات»: صفٌّ طويل من الجثث في غزّة والضفة الغربية ولبنان وإيران، ودمار هائل شمل القدرات الدفاعية السورية (انتقامًا لإسقاط بشار الأسد)، واحتلال أراضٍ في سوريا ولبنان وثلثي قطاع غزة، وتصفية ثلاثة مخيمات لاجئين في الضفة... ومع ذلك يبقى «الأمن» أولويةً يسعى الجميع إلى تلبيتها، لكن كيف؟ بالحرب، ولا شيء سواها. لم يفوّت نتنياهو مناسبة في حملته للتذكير بأن «المهمة لم تكتمل» في إيران، بمعنى أنه لا يزال الخيار الأفضل للعمل كشريك لترمب. وهو رغب في هجوم على إيران قبل الانتخابات وغضب من رئيس أركانه أيال زامير الذي أبلغ الأميركيين معارضته هجومًا يريده نتنياهو لتأجيل الانتخابات أو تعطيلها.
كلما راكم الإسرائيليون «الانتصارات» كلما أخفقوا في استثمار الإنجازات لتحقيق «مكاسب سياسية» توازيها بالقوة. وهو ما يتعهد ايزنكوت تحقيقه، لكن بكثير من الضبابية. أما نتنياهو فيتعهّد «إسرائيل الكبرى» بالهيمنة على الشرق الأوسط. لم يتطرّق النقاش الانتخابي جديًا، ولا في أي لحظة، إلى الشأن الفلسطيني وضرورة مقاربته على نحوٍ مختلف، رغم أنه أساس «عقدة الأمن»، فلا أمن مع الاحتلال.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»