المرأة السعودية ليست صورة نمطية تنتظر من أحد أن يعيد رسمها، ولا كائنًا هشًّا تتوقف كرامته على تفصيل مظهره، ولا مشروعًا ناقصًا يحتاج إلى حملات متواصلة كي يثبت للعالم أنه يستحق الاحترام، إنها إنسانة كاملة بوعيها وطموحها وعلمها، وبقدرتها على أن تختار ما يناسبها، وأن تتحمل مسؤولية اختياراتها، وحين تُختزل قضية المرأة السعودية في لباسها، أو في تفاصيل مظهرها، أو في سجالات متكررة حول ما ينبغي أن تكون عليه، فإننا نُبعد النقاش عن الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا حققت؟ وما الذي تستطيع أن تحققه؟ وكيف نوسّع فرصها في القيادة والمعرفة والاقتصاد والابتكار؟ وكيف نحمي حقها في الاختيار، إن المجتمعات التي تتطلع إلى المستقبل لا تجعل من التفاصيل الشخصية محورًا دائمًا لحياتها العامة، ولا تسمح للجدل أن يبتلع الإنجاز. فهناك فرق بين نقاش يفتح آفاقًا جديدة، وضجيج يستنزف الانتباه، ومن المشروع أن نتساءل أعن أثر الحملات المتكررة التي تضخم الخلافات حول المرأة، وتعيد إنتاج صورة المجتمع السعودي بوصفه مجتمعًا منشغلًا بصراعات داخلية لا تنتهي. فمن المستفيد حين ينصرف الرأي العام عن قصص النجاح إلى سجالات المظهر؟ ومن المستفيد حين تصبح كل خطوة اجتماعية مناسبة لاستدعاء معركة جديدة، بينما تتقدم المملكة في مسارات التنمية والتحول الاقتصادي والثقافي، وتحتاج إلى طاقات أبنائها وبناتها جميعًا؟ ومن الضروري، أن ننتبه إلى أن الأثر الذي تتركه بعض الحملات قد يخدم التشتيت، حتى إن لم يكن ذلك هدف أصحابها المعلن. فإشغال المجتمع بمعارك هامشية، وتضخيم الخلافات، وتحويل الاختلافات الفردية إلى أزمات وطنية، كلها أمور تستهلك الوقت والوعي، وتمنح القضايا الثانوية مساحة أكبر من حجمها الحقيقي، والمرأة السعودية الواثقة بنفسها، لا تحتاج إلى أن تدخل كل معركة كي تثبت أنها حرة، ولا أن تغيّر مظهرها لإرضاء طرف، أو تتمسك به لمخاصمة طرف آخر. قيمتها أعمق من أن تختصر في لباس، وانتماؤها أرسخ من أن تقاس بمظهر، ووعيها أكبر من أن يُختبر في سجال عابر، ولعل المثال الأوضح هو أنموذج المرأة السعودية التي تتقدم إلى ميادين العمل والمسؤولية، وتواجه التحديات بكفاءة وثبات، وتثبت أن الحضور الحقيقي لا تصنعه الشعارات، بل تصنعه القدرة على الإنجاز.
من الأسماء التي يمكن الاستشهاد بها في هذا السياق عبير العجمي، بوصفها مثالًا يُراد من خلاله التأكيد على أن المرأة السعودية تستطيع أن تجعل من حضورها وعملها ومواقفها عنوانًا لقيمتها، لا أن تجعل من مظهرها القضية التي تدور حولها حياتها، فالإخلاص للوطن لا يُقاس بنوع اللباس، ولا تُختبر الوطنية بمدى التشابه مع الآخرين، وإنما تظهر في احترام الوطن، والمساهمة في نهضته، وصيانة مكتسباته، والمرأة التي تفخر بوطنها لا تحتاج أن تتخلى عن ذاتها كي تكون وطنية، كما لا تحتاج إلى أن تجعل من اختلافها وسيلة للصدام مع مجتمعها.
السعودية اليوم لا تعيش مرحلة عادية يمكن فيها إهدار الطاقات في جدل لا ينتهي؛ إنها تعيش مرحلة تتسع فيها فرص العمل والإبداع والمشاركة، وتُبنى فيها مشاريع المستقبل، وتُختبر فيها قدرة المجتمع على الانتقال من استهلاك الخطاب إلى صناعة الإنجاز.
في مثل هذه المرحلة، تصبح مسؤولية الخطاب النسائي أكبر: أن يضيف معرفة، ويفتح أفقًا، ويعالج تحديًا، لا أن يعيد تدوير صورة المرأة بوصفها ضحية
وهذا لا يعني إنكار ما قد تواجهه بعض النساء من عقبات أو تمييز أو مشكلات حقيقية؛ فكل مشكلة تستحق المعالجة، وكل حق يستحق الحماية، وكل صوت صادق يستحق أن يُسمع. لكن الإنصاف يقتضي ألا نعمّم تجربة فردية على ملايين النساء، وألا نحول حالات محددة إلى حكم شامل على مجتمع بأكمله، وألا نسمح للخطاب الذي يبالغ في تصوير الأزمة بأن يحجب ما تحقق، أو يعطل ما ينبغي أن يتحقق، والمرأة السعودية ليست مطالبة بأن تثبت كل يوم أنها تجاوزت الصورة التي يرسمها الآخرون لها؛ بل إن من حقها أن تعيش وتعمل وتنجح من دون أن تكون موضوعًا دائمًا للتصنيف والمحاكمة. ومن حقها أيضًا أن تختلف مع غيرها من النساء، وأن تختار طريقها. وما يجب إدراكه أنه ليست كل معركة تُرفع فيها راية المرأة معركةً من أجلها، وليست كل ضجة دليلًا على وجود أزمة، والمرأة السعودية التي تعرف قدر نفسها، وتفخر بوطنها، وتؤمن بمستقبله، لا تنشغل بإثبات وجودها في كل سجال؛ بل تثبت حضورها حيث تُصنع الحياة، وتُتخذ القرارات، وتُبنى المعرفة، وتُنجز المشاريع.
هي تدرك أن الحرية ليست معركة دائمة مع المجتمع، وأن الوطنية ليست مظهرًا، وأن الكرامة لا يمنحها أحد ولا يسلبها اختلاف عابر، والوطن الذي يصنع مستقبله لا يحتاج إلى نساء يقضين أعمارهن في الدفاع عن صورتهن أمام كل حملة، بل إلى نساء يشاركن في صناعة صورته الحقيقية أمام العالم: وطنًا تتقدم فيه المرأة بعلمها وعملها ووعيها، وتظل فيه كرامتها حقًا أصيلًا، وانتماؤها قيمة راسخة، ونجاحها جزءًا من نجاح الوطن كله.