كان للدهشة طعم مختلف في الماضي. كنا ننبهر بالسفر إلى أماكن جديدة، وبالتجارب التي لم نعشها من قبل وبالتصاميم التي تتجاوز خيالنا، وبمقطع فيديو يستوقفنا لنكتشف كيف صُنع وكم من الوقت والجهد اختبأ خلف ثوانيه القليلة.

كنا نبحث عمّن يقف وراء العمل، ونتأمل التفاصيل، ونحاول فهم كيف استطاع إنسان أن يصنع كل هذا الجمال. حتى الأغنية كانت تحمل شيئًا من ذلك الانبهار كلمات ينسجها شاعر، وألحان يبتكرها ملحن، وأصوات تتآلف لتصنع شعورًا يصعب تفسيره. كنا نندهش من قدرة الإنسان على تحويل فكرة عابرة إلى عمل يلامس أرواحنا.

حتى مع تطور التقنية المنطقي التدريجي، لم نفقد تلك الدهشة، بل انتقلت إلى أشكال جديدة. أدهشتنا تقنيات الأبعاد الثلاثية، ثم الواقع الافتراضي والمعزز، وكلما ظهرت تجربة جديدة شعرنا أننا نقترب خطوة من المستقبل. كانت التقنية توسّع حدود الممكن، لكنها لم تكن تلغي المسافة بين الخيال وتحقيقه كانت تترك لنا مساحة كافية للانبهار. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وبدأت تلك المسافة تتلاشى بسرعة غير مسبوقة.


أصبح بإمكان أي شخص أن يصنع مشهدًا سينمائيًا، أو يصمم صورة مبهرة، أو يؤلف لحنًا، أو يكتب قصيدة، أو يبني عالمًا كاملًا من مجرد وصف قصير. ما كان يحتاج إلى فرق عمل وخبرات متراكمة وأيام من الإنتاج، أصبح بالإمكان إنجازه خلال دقائق. لم تعد المشكلة في القدرة على صناعة المدهش، بل في أن المدهش نفسه أصبح متاحًا في كل مكان. وهنا بدأت المفارقة كلما اتسعت قدرتنا على الإبداع، ضاقت مساحة انبهارنا به. أصبحنا نشاهد مشهدًا استثنائيًا ونتساءل أولًا هل صنعه الذكاء الاصطناعي؟ بدلًا من أن نتوقف أمام جماله. لم نعد نكتفي بالإعجاب، بل نفتش عن حقيقة ما نراه، ونشكك في أصالته، ونبحث عمّا إذا كان وراءه جهد بشري يستحق التقدير.

المسألة ليست حنينًا إلى الماضي، ولا رفضًا لتطور التقنية، فالذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا عظيمة للإبداع الإنساني، ويمنح كثيرين أدوات لم تكن متاحة لهم. لكن الوفرة حين تتجاوز قدرتنا على التلقي، تفقد الأشياء شيئًا من قيمتها الشعورية، حتى وإن ازدادت جودتها.

ربما لم يقتل الذكاء الاصطناعي الإبداع، لكنه جعلنا نعيد التفكير في معنى الإبداع، وفي قيمة الرحلة التي تسبق النتيجة، وفي الجهد الذي يمنح العمل روحه. أخشى أننا في طريقنا إلى عالم يستطيع فيه الجميع صناعة ما يثير الدهشة، لكن لا يجد فيه أحد ما يدهشه. فليست كل الأشياء التي نستطيع صنعها قادرة على إسعادنا، وليست كل الدهشة في النتيجة؛ بعضها يسكن الحكاية التي أوصلتنا إليها، والإنسان الذي بذل جهده، والوقت الذي منحه لشيء يؤمن به. وربما كانت رفاهيتنا القادمة ليست في أن نصنع كل شيء، بل في أن نستعيد قدرتنا على الانبهار بشيء حقيقي.