المادة التي طالما سعت أجهزة الاستخبارات إلى جمعها، وباتت اليوم متاحة للملأ، هي كل ما تنشره عزيزي القارئ، حياتك الخاصة، رأيك، ما تحب، ما تكره، ما يغضبك، ما تطمح إليه، نقاط ضعفك، ونقاط قوتك، نعم أنت مصدر معلومة خام أولية.

فالتغريدة الواحدة قد لا تعني شيئًا، لكن آلاف التغريدات حين تُجمع وتُحلل قد ترسم صورة لاتجاهات الرأي العام: القضايا التي تثير الجدل، والأصوات التي يُصغي إليها الناس، والشائعات التي تنتشر أسرع من غيرها. ومع أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح رصد هذه الاتجاهات أسرع وأيسر من أي وقت مضى.

يزيد الأمر تعقيدًا وسيطٌ لا نراه، هو «الخوارزمية»، نظن أننا نختار ما نقرأ، بينما يُرتَّب كثير مما يظهر لنا وفق ما يُبقينا أطول وقت أمام الشاشة، وغالبًا ما يكون المحتوى المثير للانفعال هو الأقدر على ذلك. ومن يفهم هذه الآلية يستطيع أن يستثمرها لنشر رسائله وتضخيمها. وقد كشفت تقارير صحفية، في القضية المعروفة بـ«كامبريدج أناليتيكا»، كيف يمكن استخدام بيانات المستخدمين لتصنيفهم وتوجيه رسائل مختلفة لكل فئة منهم.


الأخطر من الرصد هو عندما يتم استهدافك تقنيًا. فمن يعرف ما يثير انفعالك، قد يعرف كيف يؤثر فيك. وقد أعلنت شركات التواصل الكبرى مرارًا عن إزالة شبكات من الحسابات المزيفة التي تنتحل صفة مستخدمين عاديين، ثم تحاول توجيه النقاش نحو وجهة بعينها. وكثيرًا ما يكون الهدف زرع الشك والفرقة، فالمجتمع المتماسك أصعب اختراقًا من المجتمع المنقسم.

لذا، حين تجد نفسك غاضبًا من منشور، توقّف واسأل: من المستفيد من هذا الغضب؟ وقبل أن تعيد نشر شيء، تذكّر أنك ربما تحمل رسالة كتبها غيرك لغاية لا تعرفها. وإن وجدت أن كل ما يظهر لك يؤكد رأيك، فلعل الخوارزمية أحاطتك بما تحب سماعه فقط.

المعركة الحديثة لا تبدأ عند الحدود، بل عند شاشة صغيرة في يدك.. أنت ووعيك من يقرر.. إن كنت حارسًا لها.

أخيرًا.. راجع حساباتك؛ هل كنت جاسوسًا لم يحتج أحد إلى تجنيده!