(1)

يُروى عن الأمير عبد الله بن مساعد بن جلوي ــ أمير منطقة الحدود الشمالية لستة عقود (1956 - 2015) ــ أنه كان رجل دولة مهابًا، حاد الذكاء، صارمًا في الحق، لطيفًا في التعامل، ومحبًا لمنسوبي الإمارة و«الأخوياء». ولأن والدي حظي بالعمل معه لردح من الزمن في علاقة طيبة امتدت حتى رحيل الأمير في يوليو 2015، فقد كنت شاهدًا عن قرب على الكثير من تفاصيل تلك المرحلة. كان الأمير ــ رحمه الله ــ يستدعي المتقاعدين ويطلب منهم مواصلة الارتباط بالمنظومة؛ للاستشارة ودعم العمل، والاستئناس بآرائهم وخبراتهم المتراكمة.

(2)


من الطبيعي، بل ومن المهم، أن يغادر الموظف موقعه بعد سنوات طويلة اكتسب فيها خبرة عريضة. لكن التحدي يكمن في كيفية «استثمار» هذه الخبرة؛ إذ يجدر بالمنظومة الاستفادة منها عبر تقديم الاستشارات، كما يجب على المتقاعد ألا ينكفئ على نفسه.

(3)

المتقاعد الذي يعود إلى منزله طالبًا الراحة والدعة دون خطة واضحة، قد يتحول ــ دون أن يشعر ــ إلى عبء على نفسه وعلى من حوله. فالفراغ المفاجئ بيئة خصبة للاعتلالات النفسية والبدنية، حيث يصبح الشخص سريع الانزعاج، مفرط الحساسية، مستغرقًا في تفاصيل منزلية صغيرة؛ فيتحول إلى مراقب للإضاءة، ومشرف على الصيانة، سائقا!

(4)

نشرت منصة «ResearchGate» دراسة تؤكد أن فقدان الروتين اليومي والروابط المهنية يُضعف الإحساس بالهدف لدى المتقاعد، مما يؤثر سلبًا في رفاهه النفسي وتقديره لذاته. من جهتها، أكدت منصة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية «PMC» أن المتقاعدين هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب مقارنة بنظرائهم الذين لا يزالون على رأس العمل، ويعود ذلك إلى التبدل الجذري في الشبكات الاجتماعية وتراجع الدخل المادي.

(5)

إننا أمام تحدٍ لا يرتبط بالمتقاعد وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع. فالمتقاعد الذي يفتقر إلى خطة واضحة لما بعد الوظيفة يشكل خطرًا على استقراره النفسي واستقرار محيطه. لذا، يجب أن يتصدر تأليف كتاب يلخص خبرته العريضة قائمة أهدافه، يليه التوجه إلى التدريب، أو التطوع، أو الانخراط في أنشطة خدمة المجتمع. ثم يأتي بعد ذلك ما يراه مناسبًا لـ«سيكولوجيته» واهتماماته من تجارة، أو سفر، أو ممارسة هوايات مؤجلة.

(6)

يُحكى أن مديرًا تنفيذيًا متقاعدًا لم يستطع التخلي عن عقليته الإدارية، فأسس «مجلس إدارة للمنزل»، وعقد اجتماعًا إلزاميًا لزوجته وأبنائه كل يوم «جمعة» لمناقشة الميزانية، وأداء المطبخ، ومعدل استهلاك الطاقة، والأخطاء الفردية!

لكن الزوجة رفعت له «تقرير أداء» بعد مرور شهر كامل، يوصي بـ«إقالة المدير» بسبب كثرة التدخلات غير النظامية، لا سيما في شؤون «المطبخ».. وتمت الإقالة بالفعل!