عادة ما يتطرق خطباء الجمعة بين حين وآخر لعمارة المساجد ويتخذون من الآية الكريمة «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر.ِ...» سورة التوبة الآية 18. مرجعًا لهم ويسهبون في أهمية عمارة المساجد كل بأسلوبه. وفي حقيقة الأمر عمارة المساجد في تاريخ وحاضر ومجتمع العمارة والعمران على درجة عالية من الأهمية.

تاريخيًا وعبر مختلف الثقافات، إذا ما استثنيت الحضارة الرومانية التي اهتمت بالمباني ذات الاستخدام الدنيوي (مسارح مكشوفة أو مسقوفة، حمامات، قصور، جسور، أسواق، إلخ..)، المعابد بمختلف مسمياتها في كل الأديان، تستأثر بنصيب الأسد من تاريخ العمارة. والعمارة الإسلامية ليست استثناء من ذلك، بل ربما كانت المثال الأكثر أهمية، بالاهتمام بالمساجد أكثر من أي بناء آخر.

«العمارة أم الفنون» مقولة معروفة، وقد أشبعت تحليلا وتفسيرا وتعليقا، مما يغني عن المزيد من الاسترسال في صحة ومشروعية العبارة. غير أننا نود طرح مقولة مشابهة وهي «العمارة مرآة الشعوب». والفارق هنا ليس اختلاف المضمون، بل في سعة مفهوم الفن وعلاقته بالمجتمع.


العمارة في الغرب وإلى ما قبل الثورة الصناعية كانت كنائس بامتياز. تاريخ عمارة الكنائس وتطورها من قاعات ما كان يعرف بـ«البازيليكا الرومانية» إلى عمارة «الرومانسك» فالعمارة القوطية، فعمارة عصر النهضة فالروكوكو (حيث نافست القصور باختلاف مسمياتها في عدد من الدول الأوروبية الكنائس)، فالكلاسيكية الجديدة فالعمارة التقدمية (Avan Garde) فعمارة الفن الجديد (Art Nouveau) فالعمارة الحديثة بكل مدارسها وتوجهاتها. هذا تصنيف تاريخي بامتياز، وهناك فوارق حدية تفصل بين كل فترة وسابقتها في القارة الأوروبية.

وإذا كانت العمارة في الغرب ظاهرة تاريخية، فهي بالعالم الإسلامي ظاهرة تكاد تكون في معظمها ظاهرة جغرافية بهامش ضيق من التاريخ وإن كان ذا أهمية. التصنيف المدرسي المعتمد للعمارة الإسلامية يصنفها عمارة سلطات حاكمة (سلالات) أو فرق دينية تنتشر على كامل جغرافية العالم الإسلامي، بدءًا من العمارة الأموية فالعباسية فعمائر الدول المنسلخة عنها في كل بقاع العالم الإسلامي وصولا إلى العصر الحاضر. وباستثناء بعض الحالات التي تؤكد الحالة ولا تنفيها، يندر أن ترى طبقات تاريخية متفاوتة لعمائر في فترات مختلفة في المكان نفسه.

كيف يمكن لهذا الوضع أن يعكس واقع وحال العمارة وشعوبها كما ورد في العبارة المطروحة أعلاه؟ عندما تتأمل عمارة الكنائس بارتفاعاتها المذهلة وأنظمتها الإنشائية وأشكال مساقطها، بل حتى مسميات مكوناتها، يبدو جليًا أننا لسنا فقط أمام بناء من حجر بل أمام مؤسسات متأصلة جندت كل ما تملك لبناء هذه الكنائس. الكنيسة في الغرب قبل أن تكون بناء هندسيًا يتحدى الجاذبية، هي في المقام الأول إرادة المؤسسة الدينية التي هيمنت على القارة الأوروبية منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية وحتى مشارف عصر الثورة الصناعية. الكنيسة وعمارتها إعلان مدو عن دور المؤسسة الدينية، ليس في قدرتها على البناء بل دورها في المجتمع.

في العالم الإسلامي تختلف الصورة كثيرًا. فالمساجد من التنوع في الشكل والحجم بحيث تبدو كأنها نبتت من مكانها.

المسجد لا يتحدى الجاذبية. في السواد الأعظم من العمارة الإسلامية المسجد بناء أفقي. غير أن هناك استثناء بارزًا يتمثل في العمارة العثمانية بحكم وراثتها للعمارة البيزنطية. غير أن هذا الاستثناء له ما يبرره جغرافيًا وتاريخيًا. فقد ورث العثمانيون إرثا معماريًا ضخمًا من أسلافهم في المكان «البيزنطيين»، وكيفوه ليتناسب مع وظيفة المسجد. وكما هو الحال في أوروبا فقد كانت عمارة المساجد العثمانية «عمارة مؤسسة» بامتياز، وهي هنا مؤسسة الدولة.

هكذا نجد أنفسنا عند ربط العمارة بالسياق الاجتماعي الذي بناها، نبحث في مفهوم المؤسسات التي تبني هذه العمائر، وتكون مسؤولة عن وجودها مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة. المسجد في العمارة الإسلامية باختلاف موقعه الجغرافي، انعكاس للقوة الاجتماعية الفاعلة في تلك المنطقة. ونظرًا لتفاوت مفهوم المؤسسة حجمًا وبنية واتساعًا ودورها في البناء الاجتماعي بالعالم الإسلامي (أو ربما لغيابها)، يبدو أن المساجد هي نتاج عمائر أفراد (حكام شرعيين أو رجال دولة أو علماء دين أو فاعلي خير) أكثر منها نتاج مؤسسات مرتبطة بمؤسسات ذات نفوذ بالغ القوة في المجتمع كما كان الحال في عمارة الكنائس. وهذا ينقلنا إلى مفهوم السلطة وعلاقتها بالدولة.

ونظرًا لتشعب الموضوع نشير هنا فقط إلى السلطات الثلاث التي طرحها الجابري في «تكوين العقل العربي» وهي سلطة القبيلة والغنيمة والعقيدة، حيث يمكن قراءة عمارة المساجد ضمن هذا الطرح المتميز بكل وضوح.