تواجه البقالات التقليدية في أحياء جدة تحديات متزايدة تضع استمراريتها أمام اختبار صعب، مع ارتفاع تكاليف التشغيل، واتساع المنافسة مع الأسواق الكبرى وتطبيقات التوصيل، وتغير أنماط التسوق لدى المستهلكين. وبين ضغوط الإيجارات والكهرباء والعمالة ومحدودية هامش الربح، يبحث أصحاب هذه المنشآت الصغيرة عن حلول تعزز قدرتهم على الصمود، دون فقدان ميزتهم الأساسية المتمثلة في القرب وسرعة توفير الاحتياجات اليومية.

مواكبة التحول الرقمي

يرى مشرف في أحد تطبيقات بيع المواد الغذائية فايز الشهري أن انتشار تطبيقات التسوق الإلكتروني أسهم في تغيير سلوك المستهلكين، إذ أصبح كثير من العملاء يفضلون طلب احتياجاتهم اليومية عبر التطبيقات، للاستفادة من سهولة التسوق وتنوع المنتجات والعروض الترويجية وخدمة التوصيل إلى المنازل.


وأوضح أن التطبيقات لا تعتمد على السعر وحده لجذب العملاء، بل تقدم تجربة متكاملة تشمل سرعة تجهيز الطلبات، وتوفير خيارات متعددة للعلامات التجارية، وإمكانية مقارنة الأسعار واختيار المنتجات المناسبة للميزانية، مشيرًا إلى أن هذه المزايا عززت الإقبال على الشراء الإلكتروني، خصوصًا لدى الأسر التي تبحث عن توفير الوقت والجهد.

وأضاف أن المنافسة في قطاع المواد الغذائية تتطلب إدارة دقيقة للمخزون وتحديث الأسعار والعروض باستمرار، إلى جانب المحافظة على جودة المنتجات وسرعة توصيلها، مؤكدًا أن رضا العميل يمثل عاملًا أساسيًا في استمرارية الطلبات وتكرارها.

وأشار إلى أن البقالات الصغيرة لا تزال تمتلك ميزة القرب من المستهلك ولكن عليها أن تواكب التطوير ومواكبة التحول الرقمي لتعزيز قدرتها على المنافسة، من خلال توفير خدمات الطلب والتوصيل داخل الأحياء، والاستفادة من وسائل التواصل للوصول إلى العملاء.

ولفت إلى أن مستقبل المنافسة لن يتوقف عند تقديم الخصومات، بل سيمتد إلى جودة الخدمة وتوافر المنتجات والتوازن بين السعر وسرعة التوصيل، لذلك أصبحت البقالات في الأحياء خارج المنافسة لذلك لا بد من تطوير أساليب عملها لمواكبة التغيرات في سلوك المستهلك.

تكاليف التشغيل

أوضح مالك بقالة في حي الصفا بجدة عبدالله العوفي أن المنافسة مع المتاجر الكبرى أصبحت أكثر وضوحًا، في ظل اختلاف الإمكانات التشغيلية وتنوع الخدمات والعروض التي تقدمها منافذ البيع الحديثة، مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف التشغيل، بما يشمل الإيجارات والكهرباء وأجور العمالة والنقل والصيانة، يضاعف الأعباء على أصحاب البقالات، خصوصًا مع الالتزامات النظامية والصحية المرتبطة بالنشاط التجاري.

وأكد أن محدودية هوامش الربح في بعض السلع تجعل استمرار النشاط معتمدًا على حركة البيع اليومية، ومعدل دوران البضائع، وقدرة المنشأة على تغطية مصروفاتها وتحقيق عائد مناسب.

الأسواق الكبرى

وأكد مالك بقالة بحي الأجاويد محمد الحارث أن المنافسة لم تعد محصورة بين المحلات المتجاورة، بل امتدت إلى الأسواق الكبرى وتطبيقات التجارة والتوصيل، التي تتيح للمستهلك مقارنة الأسعار وشراء احتياجاته من المنزل.

وأضاف أن العروض الترويجية تمنح المتاجر الكبرى قدرة أكبر على جذب المتسوقين، مستفيدة من حجم مشترياتها وقوتها التفاوضية مع الموردين، بينما تواجه البقالات صعوبة في تقديم تخفيضات مماثلة.

ولفت إلى أن تغير سلوك المستهلكين، واتجاههم إلى التسوق الأسبوعي من الأسواق الكبيرة، يفرضان على البقالات تطوير خدماتها والتركيز على المنتجات الأكثر طلبًا، والاستفادة من ميزة القرب وسرعة تلبية المشتريات العاجلة

بحث عن العروض

يقول ساكن حي البوادي عبدالعزيز الغامدي إن استمرار البقالات يرتبط بقدرتها على فهم احتياجات سكان الحي وإدارة تكاليفها وتوفير المنتجات المطلوبة، مشيرًا إلى أن المستهلكين يبحثون باستمرار عن العروض والتخفيضات التي تقدمها المتاجر الكبرى، وهو ما يمنحها أفضلية على البقالات التي تبيع غالبًا دون عروض مماثلة، بينما أكد رائد أعمال عطالله ياسر أن إدارة المخزون تمثل أحد أبرز التحديات أمام المتاجر الصغيرة، إذ يتطلب النشاط تحقيق توازن بين توفير السلع بالكميات المناسبة وتجنب تراكم المنتجات بطيئة البيع أو انتهاء صلاحيتها.

وأوضح أن ضعف التخطيط للمشتريات قد يؤدي إلى تجميد رأس المال في بضائع راكدة، أو تكبد خسائر بسبب التلف، مما يضغط على السيولة ويحد من قدرة أصحاب البقالات على تجديد مخزونهم.

وأشار إلى أن الاعتماد على التسجيل التقليدي للمبيعات يصعّب تحديد السلع الأكثر ربحية وفترات ارتفاع الطلب، مؤكدًا أن المنافسة باتت تشمل تنوع المنتجات والعروض وسهولة الدفع وسرعة التسوق، وليس الأسعار وحدها.

حماية المستهلك

في جانب حماية المستهلك أكد عدد من المختصين أن أهمية الرقابة تبرز في وضوح الأسعار وصحة التخفيضات وسلامة المنتجات وصلاحيتها، والتعامل مع البلاغات المتعلقة بالممارسات التجارية المخالفة.

وتشمل الحلول العملية رفع وعي أصحاب البقالات بالاشتراطات النظامية، وتشجيعهم على استخدام أنظمة إلكترونية لإدارة المخزون والمبيعات، وتطوير خدمات التوصيل، وتحسين شراء السلع وتقليل الهدر.

وتبقى استدامة بقالات الأحياء مرتبطة بتحسين كفاءتها وقدرتها على المنافسة، بالتوازي مع تطبيق الأنظمة التي تحمي المستهلك وتضمن عدالة الممارسات التجارية، دون فرض أسعار موحدة أو الإخلال بحرية المنافسة.

حلول عملية

أوضح باحث اقتصادي سالم مروان أن استدامة البقالات التقليدية تتطلب تبني حلول عملية تخفض تكاليف التشغيل وتعزز قدرتها على المنافسة مع الأسواق الكبرى وتطبيقات التوصيل. ويأتي الشراء الجماعي في مقدمة الحلول، عبر تنسيق أصحاب البقالات معًا للتفاوض مع الموردين والحصول على أسعار أفضل، كما يسهم استخدام أنظمة إلكترونية منخفضة التكلفة في إدارة المبيعات والمخزون، وتحديد السلع الأكثر طلبًا، والحد من خسائر التلف وانتهاء الصلاحية. ويمكن لأصحاب البقالات تقديم عروض محدودة على المنتجات الأساسية، وتفعيل استقبال الطلبات عبر «واتساب» وتوفير التوصيل داخل الأحياء برسوم مناسبة، وتشمل الحلول أيضًا ترشيد استهلاك الكهرباء، وتنظيم المشتريات وفق الطلب الفعلي، والتركيز على احتياجات سكان الحي بدلًا من تشتيت رأس المال في منتجات بطيئة البيع، وعلى مستوى الجهات المعنية، تبرز أهمية تنظيم برامج توعوية وتدريبية في إدارة التكاليف والتجارة الإلكترونية، وتعريف المنشآت الصغيرة ببرامج الدعم المتاحة، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسعار وسلامة المنتجات، بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك واستمرار البقالات.