رسالة للكاتب الجزائري حامد ياسين: لماذا كل هذا الضعف، يا عزيزي؟

ولماذا نتفاجأ بما كنّا نتوقّعه، ونرتبك أمام واقعٍ كنّا نعرف أنه قادم؟

يا صديقي، إن ما يجري للكتاب من احتفالات، في أحسن حالاته، لا يتجاوز مستوى الضعف في الغالب الأعم من وطننا العربي. احتفالاتهم تشبه طهور الأطفال، وجوائزهم تشبه حلوى العيد. هذا هو حال ما يجري في بعض النوادي الأدبية: حضور باهت، وتفاعل يثير الشفقة. والمبيعات أرقام بلا مصداقية، وإعلانات عن «الطبعة الثانية» و«الطبعة الثالثة» تُزيّنها أرقام لا تتجاوز، في بعض الحالات، عدد طلاب ثانوية واحدة.


ولكنه اليأس حين يلفظ الأمل أنفاسه الأخيرة.

من أسوأ ما قد يفكّر فيه المرء، وأخصّ بالذكر الكاتب أو طالب الشهرة، أن يتحقّق حلمه قبل أن يموت، في حضور الناس من حوله ورضاهم عنه؛ وكأن قيمة الحلم لا تكتمل إلا حين يراه الآخرون ويصفّقون له.

التاريخ كثيرًا ما يشهد للموتى. والجوائز تُمنح أحيانًا للجثث المدفونة، عبارات التبجيل، ونصوص الدراسات النقدية، تصدر بعد الموت؛ وكأن الاحتفاء بالكاتب لا يبدأ إلا حين يتوقف عن سماع أصوات المحتفى به.

فإذا كان هذا حال بعض دور النشر، ومقاهي السرد، والأندية الثقافية، ومهرجانات الأدب، فلا تبكِ يا عزيزي.

وأقسم لك أن الحال لا يختلف كثيرًا في مناطق أخرى من الوطن العربي. ليسوا أفضل حالًا منك، غير أن كثرة المنظّمين، وموظفي المراكز الثقافية، وبعض القنوات الإعلامية، تمنح المشهد شيئًا من الحياة. أما الحضور ففي كثير من الأحيان لا يتجاوز نزهةً وتغييرًا للمكان وفسحةً من الزمن؛ وإلا فالمقاعد صفر.

لا تبكِ يا عزيزي.

طالما أن المسارح والمهرجانات الكبرى والملاعب الرياضية تزدحم بأمواج البشر، ويدفع الناس مبالغ طائلة للحضور؛ إما لراقصة تؤدي جسدها على خشبة المسرح، أو لفنان يردد عليهم الأغنية نفسها التي مرّ عليها عشرات السنين، وهم يتمايلون ويتراقصون وكأن الفرح لم يُخلق إلا من أجل الأغنية والمغني.

فهل ترتجي من مثل هذا المشهد شعبًا ينهض فيه حب المعرفة، ويصبح طلب العلم جزءًا من حياته اليومية؟

لا تبكِ يا عزيزي.

ربما يأتي يومٌ يجتمع فيه الناس حول الأثر الذي تركته، كما يجتمعون حول بطلٍ مقدام ودّع العالم وترك خلفه أثرًا لا يموت، وأنت يومها من يجلس بينهم ويصفّق لذلك الكاتب العظيم.

لا تبكِ يا عزيزي.

موت الكتاب أضحى مسألة وقت، وتشييعهم إلى مثواهم الأخير قد يبدأ قبل أن يموتوا فعليًا. يلفظ الكتاب أنفاسه الأخيرة، بينما تحاول غرف الإنعاش أن تمنحه دقائق إضافية، قبل أن تُسلّم الروح إلى مصيرها، وتُرفع عنها أجهزة التنفس.

لا تبكِ يا عزيزي.

الحال في الوطن العربي، أدبيًا، إن ادّعينا الحضور والزحام، أن كثيرًا من الناس يعيشون وهم النجاح، بينما كتبهم تقبع على أرفف علاها الغبار، وعثت فيها الحشرات. وأفضل ما يملكه بعضهم مجموعة من الأصدقاء الإعلاميين والمشاهير، ينشرون له نتاجه كلما صدر كتاب جديد.

لا تبكِ يا عزيزي.. فنحن نهبط جميعًا على الأدب الذي لم يعد له من وظيفة إلا أن يقف على الحافة الأخيرة بينه وبين الفقر، بينما تحاول المؤسسات الثقافية أن تمنح الكاتب شيئًا من الشهرة، ثم تأتي الأفلام والمسلسلات والمسرحيات لتجني ثمار تعب الكاتب، ويبقى هو مجرد مشاهد يسأل:

لمن هذا العمل؟

قف، ولنبكِ معك جميعًا، حين يؤكد لنا الواقع أن الوسط الثقافي، في بعض حالاته، قادر على أن يكون أكثر قسوةً وحسدًا ومجاملةً من غيره؛ فالدعم يُقاس أحيانًا بالمحاصصة والعلاقات، ومن لا يملك نصيبه منها يبقى خارج السرب.

لو كان هناك من المثقفين والأدباء والمهتمين من يؤمن حقًا بما يقول، لحضروا إليك. لكن بعضهم لا يملك سوى الكلمات المنمّقة، وبعضهم يمتلك أدواتٍ لتكسير أجنحة المبدعين كلما حاولوا التحليق في سماء الأدب والعلم.

لا تبكِ يا عزيزي.. فلربما ستندم يومًا على دموعك؛ لأنك أسرفت فيها في أسوأ وقت، وكان الأولى أن تبكي على ما يستحق الدموع.