هذا المشهد يفرض ضرورة ملحة لتفكيك هذه الأكاذيب المتراكمة وتعرية أدواتها، بدءاً من جذورها الأيديولوجية التي تصادر إرادة المجتمع، مروراً بتزييفها لواقع إدارتها الداخلية، ووصولاً إلى شعاراتها التي تغطي تبعيتها وارتهانها للخارج.
باعتقادي أن كذبة «الحق الإلهي» والقداسة تبرز كأخطر وأول الأوهام التي يتكئ عليها الحوثي لتبرير احتكاره للسلطة والثروة، فالجماعة تسوق نفسها على أنها اصطفاء سماوي، وتربط طاعتها بالدين لتجريد المجتمع من حقه في المساءلة أو القبول والرفض. وفي حقيقتها، ليست هذه السردية سوى غطاء لمشروع عنصري ينسف أسس المساواة في الإسلام فضلا عن المواطنة المتساوية في ظل النظام الجمهوري، وتستخدم الجماعة هذا الوهم لتكفير المعارضين، وتحويل أي مطلب سياسي أو حقوقي-حتى وإن كان المطالبة براتب الموظف- إلى خيانة دينية وعمالة.
اما الوهم الثاني فيتمثل في كذبة «احتفاظها بحق تمثيل الزيدية» واحدة من أعمق التحولات الخادعة في بنية الجماعة الحوثية، فقد بدأت الميليشيا مشروعها بادعاء مظلومية معينة، مسوقة لنفسها كحارس للمذهب الزيدي وتراثه في اليمن، لكنها في الواقع أحدثت قطيعة منهجية وفكرية وعقائدية مع هذا الإرث، فاستوردت قالباً أيديولوجياً هجيناً يستنسخ نماذج الحركات العابرة للحدود، وفرضت ثقافة سياسية وتنظيمية دخيلة على المجتمع اليمني، وأطلقت عليها زورا وبهتانا تسمية «الهوية الإيمانية»، وقد ظهر التباين جلياً بينها وبين هوية المجتمع اليمني بمن فيهم المجتمع الزيدي في قمعها وتهميشها وحتى تصفيتها لعلماء ومرجعيات الزيدية التقليدية الذين رفضوا الانخراط في مشروعها المسلح أو اعترضوا على بعض سلوكياتها، أو لم يقبلوا الذوبان الكامل في مشروعها، مما يؤكد أن استخدام اسم الزيدية لم يكن سوى راية تعبوية لاختطاف الأرض والسكان في منطقة جغرافية محددة بغرض تطويعها كوقود للحرب.
مع تمدد الجماعة بقوة السلاح، تطورت هذه الكذبة لتتخذ طابعاً شمولياً عبر ادعاء تمثيل اليمنيين كافة، حيث انتقل الحوثي من ادعاء تمثيل هوية مذهبية إلى محاولة اختطاف الهوية الوطنية بأكملها، وهذا هو الوهم الثالث، فصار يقول شعبنا سيفعل، شعبنا لن يصبر، شعبنا لديه خيارات، شعبنا يقترح الحل الفلاني، وهو بكل ذلك إنما يعني نفسه ويقول بلسان الحال أنا صرت ممثل هذا الشعب والناطق باسمه. تُوظَف هذه السردية لتجريد كل من يعارض مشروعهم من وطنيته وحقه في الانتماء، إذ يُصنف ملايين اليمنيين الرافضين لسلطة الميليشيا الانقلابية في خانة «الخونة» أو «المرتزقة»، ويتيح هذا الاحتكار المزدوج -للهوية وللوطن- للجماعة توزيع صكوك الوطنية وفقاً للولاء السياسي، وتبرير حربها الشاملة ضد أبناء الشعب اليمني تحت لافتة الدفاع عنهم، وتحويل أي مقاومة سياسية أو عسكرية أو حتى مدنية لنهجها إلى جريمة تستوجب الاجتثاث، وبالرغم من محاولته المستميته في تسويق هذه الكذبة فإنه كان ولا يزال يعاني في مسألة هويته وكيف يقدم نفسه للناس فقد فشل في تمثيل المذهب الزيدي سابقا، وها هو يفشل في تمثيل الدولة اليمنية، فهو في المفاوضات وفد الداخل، مع أنه لا يسيطر على كل الداخل ولا حتى أكثر من ربع مساحة الداخل، وفي الحرب قوات صنعاء، مع أنه لم يتجرأ حتى الآن على الظهور في صنعاء رغم حكمه لها أكثر من عشر سنوات، وهكذا..
أما الوهم الرابع، فيتمثل في قصة نصرة غزة وهي كذبة لا تستطيع تغطية ارتهانه الكامل للمشروع الخارجي، حيث يدخل الحوثيون هذه المواجهة وفق توقيت إيراني دقيق، ويخرجون منها بلا مكاسب وطنية، ويفقدون أي كرامة سياسية، ودفع اليمن ثمن هذه المغامرة من بنيته التحتية المتبقية، حيث تعرض ميناء الحديدة لتدمير يقارب 70% من قدرته التشغيلية، بحسب تقديرات رسمية، وطال القصف ميناء الصليف، وتعطلت حركة الطيران في مطار صنعاء وتشارك الحوثي مع إسرائيل في تدمير أربع طائرات مدنية بمطار صنعاء، وامتدت الخسائر لتشمل المنشآت الاقتصادية كمصانع الإسمنت، ووصلت إلى استهداف القيادة الحوثية نفسها، كما حدث في قصف اجتماع الحكومة وتصفية الطاقم الإعلامي في مقر التوجيه المعنوي، ويضحي الحوثي بمقدرات البلاد وحياة الناس ليصنع انتصارا إعلاميا خادعا، وتبقى النصرة المزعومة ورقة تفاوض تديرها طهران لتحسين شروطها الإقليمية.
وبالنظر إلى محاولته المستميتة لتقديم نفسه مناصراً لغزة ومحارباً لإسرائيل، فإن من المهم تفكيك هذه الكذبة عبر مقارنة بسيطة وعملية تكشف زيف هذا الادعاء، حيث يكفي النظر سريعاً إلى حجم ونوعية الهجمات التي وجهها الحوثي نحو إسرائيل، ومقارنتها بكثافة وحجم الهجمات التي أمطر بها المدن والمنشآت في السعودية طوال سنوات، والأكثر دلالة من ذلك، مقارنة القوة النارية المحدودة التي أطلقها باتجاه إسرائيل، بتلك القوة التدميرية الهائلة والمستميتة التي يوجهها يومياً نحو المدن اليمنية، وعلى رأسها تعز.
بلغة الأرقام والنتائج، تبدو المفارقة صارخة؛ فبينما لم تتكبد إسرائيل خسائر بشرية أو مادية تذكر جراء هذه الهجمات «الاستعراضية»، فقد حصدت آلة الحرب الحوثية أرواح مئات الآلاف من اليمنيين في الداخل، ودمرت مقدراتهم ومنازلهم، وتسببت بخسائر هائلة في البنية التحتية والمنشآت المدنية والاقتصادية لدول الجوار، ويثبت هذا التفاوت الواضح أن ادعاء محاربة إسرائيل ليس سوى استثمار سياسي رخيص لدماء الفلسطينيين، وأن بندقية هذه الميليشيا وصواريخها لم تُصمم يوماً لتحرير المقدسات أو نصرة القضايا العربية، بل وُجهت حصراً لقتل اليمنيين، وتهديد الأمن الإقليمي، وتثبيت المشروع الإيراني على أنقاض الدولة اليمنية.
* كاتب يمني