ففي ذي القعدة 1437 شارك شيخ الأزهر في افتتاح مؤتمر بعنوان «من هم أهل السنة والجماعة؟»، وألقى كلمة تناولت مفهوم أهل السنة، وأكدت مكانة الأشعرية والماتريدية، وانتقدت الاتجاهات التكفيرية؛ كما ذكرت أن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل الأشعرية والماتريدية وأهل التصوف المعتدل وأهل الحديث؛ ونشر الموقع الرسمي للأزهر الكلمة وما اشتملت عليه من تقرير لمفهوم أهل السنة. أثار البيان الختامي للمؤتمر جدلًا واسعًا بسبب تعريفه لأهل السنة والجماعة بالأشاعرة والماتريدية وأهل التصوف، دون التصريح بإدراج التيار السلفي وأهل الحديث في الصياغة التي اعتمدها البيان، الأمر الذي دفع عددًا من العلماء والباحثين إلى الاعتراض على التعريف؛ وسُطِّرَت مقالات، كان من أوائلها وأكثرها انتشارًا مقال لكاتب هذه السطور، كلها تستنكر هذا البيان، لعدم ذكره رأس أهل السنة وسنامها وهم السلفيون.
من المهم هنا التفريق بين كلمة شيخ الأزهر وبين البيان الختامي للمؤتمر؛ إذ قد يعني الشيخ بقوله «أهل الحديث» السلفيين، وقد لا يعنيهم؛ فإن الشيخ البيهقي والشيخ النووي والشيخ ابن حجر، رحمهم الله، من الأشاعرة كما يقال، وهم أيضا من أهل الحديث؛ وأعلن المركز الإعلامي للأزهر في 1437/11/27 للهجرة أن شيخ الأزهر نصّ في كلمته على أن أهل السنة والجماعة يشملون الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، واستشهد بنقول عن السفاريني وغيره في هذا الباب.
فبقي الإشكال قائمًا؛ حتى أكد أحمد الطيب، في تصريحات صحيفة في صفر سنة 1438، نوفمبر 2016، أن البيان الختامي لم يُعرض عليه قبل صدوره، وأن الأزهر غير مسؤول عنه، وقال «يا أهل السلف أنتم من جملة أهل السنة والجماعة». هذا التوضيح لا يجوز إغفاله عند تقويم موقفه، لكن التساؤل يبقى عن مواقف الطيب من السلفية بعد مؤتمر غروزني وحتى السنوات اللاحقة، فهي لا تتوافق مع تبرئته من البيان الختامي للمؤتمر؛ فإذا كان قرر بعد المؤتمر أن السلفيين من أهل السنة، فالمفترض أن ينعكس ذلك في خطابه اللاحق، بحيث يميز بين السلفية الحقة والجماعات التكفيرية، ويتجنب إطلاق أوصاف الخوارج أو التكفير على عموم السلفيين.
أما إذا استمر بعد المؤتمر في استعمال عبارات عامة تضع السلفية في مقابل أهل السنة أو تربطها بالتكفير والتطرف دون تفصيل، فإن ذلك يضعف أثر التبرؤ العملي، ويجعل التبرؤ من البيان الختامي أقرب إلى تصحيح جزئي أو مجاملة لطرفٍ ما، لا إلى مراجعة شاملة للموقف من السلفية.
كذلك مواقف الأزهر من المناهج السلفية والرسائل العلمية التي تُظهر السلفية الحقة، ومواقفه من إعلان الآراء السلفية داخل الأزهر، وأعضاء هيئة التدريس السلفيين؛ كل ذلك مناقض لتصحيحه بعد البيان.
رابعًا: زيارة الأضرحة والتوسل والاستغاثة: أين يقع الخلاف الحقيقي؟ شكّلت قضية الأضرحة والمقامات أحد أبرز محاور الخلاف بين الخطاب الأزهري والخطاب السلفي في عهد أحمد الطيب. وظهر ذلك منذ تصريح شيخ الأزهر سنة 1432 الذي انتقد فيه هجوم السلفيين على الأضرحة ومقامات الأولياء، وعَدّ ذلك مخالفًا لصحيح الإسلام.
وواضح أن الشيخ لا يعني بنقده للهجوم على الأضرحة وزائريها، زيارة القبور للعظة والاعتبار والدعاء لأهلها عندها، بل يعني ما يفعله المتصوفة من التوسل عند قبور من يسمونهم أولياء والله أعلم بهم.
وشيخ الأزهر نفسه ليس له فتوى فيما أعلم بجواز الاستغاثة بالمقبورين وله فتوى بجواز التوسل بهم في بعض الصحف المصرية بتاريخ 1447/10/02هـ لكن دار الإفتاء المصرية لها فتوى بذلك، أي: بجواز الاستغاثة بالأضرحة، وقد تم الرد على ذلك كثيرًا، ومنه البيان الصادر عن مركز سلف للبحوث والدراسات، وكان بهذا الخصوص.
خامسًا: التقارب مع الشيعة بين منع الاقتتال والتسوية العقدية من الملفات التي برزت في عهد أحمد الطيب مسألة التقريب بين السنة والشيعة.
وتناول شيخ الأزهر هذه القضية في تصريحات متعددة، من أبرزها ما نُشر في 1436/09/13 للهجرة، يوافقه 14 يونيو 2015، حين أكد أن السنة والشيعة مسلمون، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن قضية عدالة الصحابة تمثل مسألة فارقة بين الفريقين، وانتقد ما يصدر عن غلاة الشيعة من تكفير الصحابة أو الطعن فيهم. وفي فبراير 2016، نقلت بوابة الأهرام عن شيخ الأزهر قوله إن السنة والشيعة جناحا الإسلام، وإن التقريب بينهما ضروري، وخصّ بالذكر الشيعة المعتدلين.
وذكر أن الخلافات بين السنة والشيعة فرعية، باستثناء مسألة الإمامة التي يعدها أهل السنة من الفروع بينما يعدها الشيعة الإمامية من الأصول. كما أكد رفضه للتشدد، وأشار إلى رفضه مواقف الغلاة الذين يسبون الصحابة أو ينكرون ما ثبت من الدين.
وهذه التصريحات تستحق النقد والتحليل من جهتين. الجهة الأولى: أن الدعوة إلى منع الاقتتال بين المسلمين، ووقف التحريض الطائفي، وفتح باب الحوار، لا تستلزم بذاتها الموافقة على عقائد الفرق المختلفة، ولا التسوية بينها في مسائل الاعتقاد.
والجهة الأخرى: أن توصيف الخلافات بين السنة والشيعة بأنها فرعية، مع استثناء الإمامة، يحتاج إلى تحرير علمي دقيق؛ لأن الخلاف التاريخي والعقدي لا يقتصر عند التيارات الشيعية المختلفة على مسألة الإمامة وحدها، بل يتصل أيضًا بمباحث عصمة الأئمة، ومصادر التلقي، وموقفهم من الصحابة، وغير ذلك من القضايا التي تخالفنا فيها المذاهب الشيعية.
لهذا فإن البحث العلمي الرصين يثبت أن التقريب بين السنة والشيعة دعوى مجردة، وأن الخلاف بينهما خلاف في أصل الدين، وأن الحل إنما هو في التعايش بسلم فقط.
أسأل الله أن يوفق الأزهر إلى ما يحبه ويرضاه، وهو مؤسسة تربوية تعليمية علمية، وينبغي للقائمين عليها أن يدركوا أن الإسلام الصحيح هو ما جاء به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن ما زاد على ذلك في أبواب العبادات كله بدع لا ينبغي لمؤسسة كالأزهر أن تصبح دالة على البدع أيا كانت.