وبعد سنوات من متابعة هذا الملف، لفت انتباهنا بروز ثلاث فئات، وملاحظتان حول القضية اليمنية، ولكل فئة مشكلتها الخاصة، وإن كانت نتائج بعضها أخطر من بعض.
أولًا: الجهل الذي يختبئ خلف شعار «دعوا اليمن وشأنه»! الفئة الأولى هي الأسهل فهمًا، وربما الأقل خطورة، فئة تظن أن القضية اليمنية شأن داخلي يخص اليمنيين وحدهم، وأن الحل ببساطة هو ترك اليمنيين يتقاتلون، وعدم التدخل فيما يجري داخل بلدهم. وكأن تجاهل الخطر كفيل بإزالته، أو كأن النيران إذا تُركت وشأنها ستنطفئ من تلقاء نفسها!
هؤلاء يتجاهلون حقيقة أساسية في الأمن والسياسة: أن الخطر الذي لا يُواجَه في مراحله الأولى قد يتحول إلى تهديد أوسع، وأن الحريق الذي يُترك ليستفحل قد تصل نيرانه إلى ما وراء حدوده، وتصبح كلفة إخماده أضعاف كلفة احتوائه مبكرًا.
ثانيًا: المتفلسفون... حين تصبح أنصاف المعرفة أخطر من الجهل الفئة الثانية أخطر من الأولى في تقديري؛ لأنها لا تكتفي بالجهل، بل تتحدث بثقة العارف، وتقدم تصورات مثالية عن واقع لا تعرف تعقيداته، وكأن امتلاك بعض المصطلحات السياسية يكفي لفهم موازين القوى وإدارة الصراعات.
ويُنسب إلى ألكسندر بوب قوله: «القليل من المعرفة شيء خطير؛ فإما أن تشرب بعمق من نبع المعرفة، وإما ألا تذوق منه. فالرشفات السطحية تُسكر العقل».
ومن الأمثلة على ذلك الذي يكتب مطالبًا بالضغط على الحوثيين كي يصغوا إلى صوت العقل، وكأن القضية مجرد خلاف في وجهات النظر، حتى يرضي بعض الدوائر الغربية التي لا تدرك حقيقة المشهد اليمني وتعقيداته.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين كثيرًا ما يخلط بينهما المتنظّرون: السياسة بوصفها مجالًا للنظريات والمبادئ، والسياسة بوصفها ممارسة واقعية لإدارة الدول والصراعات وموازين القوة.
فالنظرية السياسية تقدم أطرًا لفهم العالم، وتطرح تصورات لما ينبغي أن يكون. أما السياسة الواقعية، فتتعامل مع ما هو قائم بالفعل: طبيعة الخصم، وأهدافه، وقدراته، وتحالفاته، ومصادر قوته، والقيود التي تحكم الحركة، والنتائج المحتملة لكل خيار. فكيف يمكن إقناع قيادة حوثية أثبتت، عبر سنوات من الصراع، استعدادها لاستخدام القوة، وخوض الحروب، وتدمير مؤسسات الدولة، وفرض الولاءات بالقوة، بمجرد مناشدتها أن تستمع إلى صوت العقل؟
كيف يمكن التعامل مع جماعة تخزن القات أغلب اليوم وتنظر إلى خصومها باعتبارهم تابعين أو أعداء، وتتعامل مع التسوية وفق حسابات استراحة وتحشيد من أجل حرب جديدة؟
المشكلة أن بعض المتفلسفين يصنعون من واقع بالغ القسوة صورة وردية، ثم يطالبون الآخرين بالتعامل معها وكأنها الحقيقة. والأخطر أن بعضهم يظن أن تبسيط القضية بلغة يفهمها الإعلام الغربي كافٍ لإثبات عمق التحليل، حتى لو كان ذلك على حساب فهم الواقع اليمني نفسه.
ثالثًا: بعض المحسوبين على الشرعية... التنظير من الخارج لا يحرر وطنًا أما الفئة الثالثة، فهي بعض اليمنيين المحسوبين على الشرعية، ممن اعتادوا الظهور في القنوات الفضائية، وكتابة التحليلات والتوصيات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإخبار الآخرين بما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله.
وهنا يحق لنا أن نسأل: إذا كنتم تمتلكون كل هذه الرؤية السياسية، وهذه القدرة على تشخيص المشكلات وتقديم الحلول، فلماذا لا تُترجم هذه الخبرة إلى عمل فعلي على الأرض؟ ولماذا لا تُسخَّر هذه القدرات في بناء مؤسسات الشرعية، وتعزيز حضورها، وتحسين أدائها، واستعادة ثقة اليمنيين بها؟ بعض المسؤولين والشخصيات المحسوبة على الشرعية يعيشون في الخارج، ويتمتعون بظروف مستقرة لهم ولأسرهم، ويمارسون السياسة عن بُعد، بينما يدفع اليمنيون داخل بلادهم ثمن الحرب والانقسام وانهيار المؤسسات.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الحافز الحقيقي لإنهاء الأزمة لدى من اعتاد إدارة جزء من حياته السياسية من الخارج، ولم يعد يواجه يوميًا كلفة استمرارها كما يواجهها المواطن اليمني؟ كلنا نتفق أن الحوثيين جماعة إرهابية شيطانية، ولكن لنكن صريحين لقد ارتكبت الشرعية أخطاء كبيرة ومتراكمة، وكانت تلك الأخطاء من أبرز العوامل التي ساعدت الحوثيين على التمدد، واستغلال الانقسامات، وتعزيز نفوذهم. والمشكلة ليست في وقوع الأخطاء وحدها.
المشكلة الحقيقية هي تكرار الأخطاء ذاتها، وعدم مراجعة السياسات التي أثبتت فشلها، واستمرار الخلل في الإدارة.
ومن الإنصاف الإقرار بأن كل صراع يفرض ظروفًا معقدة، لكن المسؤولية الأكبر في أن استعادة الدولة اليمنية تقع على عاتق اليمنيين أنفسهم. نعم، من حق اليمني أن يستعين بأخيه، ومن واجب الأشقاء أن يدعموا بعضهم بعضًا.
لكن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإرادة الوطنية والقيادة الفاعلة والمؤسسات القادرة على إدارة المعركة السياسية والعسكرية وبناء الدولة.
رابعًا: اليمن يحتاج إلى عقل استخباراتي يفهم الواقع، لا إلى خطب إضافية بعد سنوات من متابعة الملف اليمني، ما زلت أرى أن أحد أهم عناصر الحل هو وجود عقلية استخباراتية وإستراتيجية حقيقية؛ (سواء من اليمن أو مستشار خارجي) قادر على فهم طبيعة المجتمع اليمني، والتعامل مع تقلبات الولاءات، واكتشاف الاختراقات، واستيعاب شبكات المصالح، وقراءة التحالفات المتغيرة، والتعامل مع الخيانات دون أن تفقد القدرة على بناء التحالفات الضرورية. ليس مجرد جمع المعلومات، بل القدرة على تحويل المعلومات إلى قرارات. لقد أظهرت السنوات الماضية أن الاعتماد على التصورات التقليدية للنفوذ القبلي لم يعد كافيًا لفهم المشهد اليمني. فالصورة التي كانت ترسم للقبائل باعتبارها صاحبة الكلمة الحاسمة في مناطق نفوذها لم تعد تعكس وحدها حقيقة موازين القوة.
فقد شهدنا، في حالات متعددة، تراجع قدرة بعض الزعامات القبلية على حماية مكانتها أو فرض إرادتها أمام تغلغل النفوذ الحوثي. إن إهانة أحد مشرفي الحوثيين الصغار لشيخ قبلي، أو فرض قرارات بالقوة على زعامات محلية، ليست مجرد حادثة عابرة؛ بل قد تكون مؤشرًا على تغير أعمق في بنية السلطة والنفوذ.
خامسًا: ما الذي يفاجئني في الملف اليمني؟ بعد كل هذه السنوات، لم يعد الكثير مما يحدث داخل الملف اليمني مفاجئًا بالنسبة لي؛ فقد أصبحت طبيعة الصراع، وتقلبات الولاءات، والخيانات وتضارب المصالح، وأخطاء الأطراف المختلفة، أمورًا يمكن فهمها ضمن سياق هذا الملف المعقد.
لكن المفاجأة التي لا تزال تثير خيبة أملي ليست بالضرورة داخل اليمن، بل خارجه. إن أكثر ما يثير الاستغراب هو أن تصل الخصومات السياسية بين الدول إلى مستوى يؤثر في مواقفها عندما يتعلق الأمر بتهديد المقدسات الإسلامية، أو بمحاولات الاعتداء على الأراضي السعودية التي تحتضن أقدس بقاع المسلمين. كنت أتصور أن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، ستتراجع أمام القضايا التي تمس مقدسات المسلمين وأمنها، وأن هناك حدًا أدنى من الثوابت التي لا ينبغي أن تخضع لحسابات الخصومة والمكايدة.
ومع ذلك، فإن مواقف الآخرين، مهما كانت مخيبة للآمال.. فالمملكة العربية السعودية لا تستمد قوتها من رضا الآخرين، ولا يتوقف أمنها على تطابق مواقفهم مع مواقفها.
نحن أقوياء أولًا بالله وحده، ثم بدعوة نبيه، ثم بما أنعم الله علينا من إمكانات وقدرات، وبما أكرمنا به من صبر وتماسك وتلاحم بين القيادة والشعب.