إيمان محمد

الحالة الكلامية التي يتبادلها الناس الآن مرت بمراحل يمكن تشبيهها بعمارة سكنية متعددة الأدوار، حيث وضعت قواعد إنشائية، ثم بُني عليها طابق أساسي، ثم سكن هذا الطابق سكان متمكنون جدا من الكلام، إلا أنهم كانوا يولون الفعل أهمية أكبر، فكانت أفعال سكان هذا الطابق تسبق أقوالهم. ومع مرور الزمن، اكتظ هذا الطابق بالسكان، فأنشأوا طابقا آخر، وبعد مرور فترة من الزمن على بناء الطابق الثاني، اكتظ هو الآخر بالسكان. وبدأ يتغير مجرى الكلام، لتصبح صفته التلازم مع الأفعال، فكل كلام يقال ملزم بفعل ينفذ، وبدأ طابقهم ينتج الأشعار والحكم والأمثال التحذيرية والفخرية فيما بينهم مثل «كلام الليل يمحوه النهار» و«الكلام دوما أسهل من الفعل». وبعد فترة، امتلأت جميع شقق الدور الثاني بالسكان، فأنشأوا طابقا ثالثا، اكتظ أيضا بالسكان. ونتيجة ذلك كثر الكلام، كما كثر الناس، وبدأ الكلام ينفصل عن خاصية الفعل، في ظاهرة غريبة لا تمت بصلة لعادات العرب الأصيلة. فسر البعض هذا الانفصال بأن سببه هو بُعد سكان العمارة عن القاعدة الأساسية للبناء في الطابق الأساسي، والبعض قال إن الكلام أصبح أسهل لهم من مشقة الصعود والنزول عبر السلالم، حتى أصبح الكلام سلاحهم ودفاعهم وترفيههم. وبما أن حركتهم قلت، تكاثروا وأصبحوا يملأون المكان، حتى لم يعد الطابق يتسع لأحد، مما اضطرهم لبناء طابق جديد. ومن باب التعويض الفعلي عن قلة أفعالهم في الطابق الثالث، اجتهدوا هذه المرة في بناء الطابق الرابع، وجعلوه طابقا مزخرفا، به العديد من الشرفات. ازداد مع الزمن سكان الطابق الرابع، وتكاثروا أيما تكاثر، ونتيجة ذلك تطور الكلام كثيرا، وأصبح التأثير العمراني المرتفع يُملي على السكان شيئا من صفاته، فاتخذ الكلام طابعا جديدا، مستمدا من الشرفات المطلة على الآخرين، والمقتنصة لأفعالهم وأقوالهم على مرأى الجميع بكل شفافية، فالكل يتكلم من أجل أن يستشرف على من يراه في الشرفات، وكل متكلم في شرفة يرد عليه مستشرف آخر من الشرفة الملاصقة لها. ولأن الاستشراف الكلامي في هذا الطابق له خصائص استنساخية غير انتاجية، لم يكتظ هذا الدور بالسكان، بل بقي يحتكم إلى سياسة «الند بالند»، هذا يقصي ذاك، وذاك يقصي هذا، فكانوا سببا في ثبات هذا النمو الكلامي المنحدر، من محتوى من بات يطلق عليهم « مشاهير»!

تضايق سكان العمارة كثيرا من هذا الانحدار الذي آل إليه الكلام تضايقا متفاوتا، حسب القرب من قواعد الإنشاء، التي كلما اقترب منها السكان اشتد حنقهم على وضع سكان الطابق الرابع بسماتهم الاستشرافية، وفكروا لماذا تحول سكانه إلى ذلك؟، حتى كان لهم هذا الاستنتاج:

- إن الارتفاع المبني على وهم يجعل صاحبه في حالة تهدد أمنه.

- إن إزالة الحدود الخاصة سمحت بكشف أفعال السكان وأقوالهم، فزاد استشرافهم باعتبار أن «الشرفات» منابر للكلام.

- إن انعزالهم بطابق بعيد عن القاعدة الأساسية تسبب في عزلتهم عن الواقع، فتلاشوا بخصائصه العمرانية التي حتمت عليهم حب الظهور في الشرفات.

- إن النظرة العلوية دائما غير دقيقة بالتقاطها، فبدلا من أن يتفادوا أخطاءهم، انسحقوا فيها، ثم تسلقوا الصواب بإقصاء الآخر.

بعد الاستنتاج، شكل إنشائيو العمارة لجنة مستمرة، تبحث عن حلول وتوصيات، لاجتثاث هذا الاستشراف الدخيل عليهم، والمعيب لجذورهم، فاقترحوا في المرحلة الأولى إنشاء مصاعد سريعة، للسيطرة على التجاوزات، وتفعيل التجاهل كوسيلة مناسبة لإقصاء الاستشراف، على ألا يحتاجوا إلى مراحل أخرى تجعلهم كأوصياء، ويشعر سكان العمارة أمامهم بالانسحاق.