ليست المسألة انفعالًا عابرًا، ولا موجة شعورية مرتبطة بحدث طارئ. نحن أمام طبقة عميقة من الوعي، تشكلت عبر زمن طويل، واستقرت في بنية التفكير، حتى أصبحت طريقة في رؤية العالم، لا مجرد موقف منه.

في محيط الخليج العربي، هناك مجتمعات لم تخرج من تجربة الاستعمار كذكرى تاريخية، وإنما كإطار إدراكي دائم. الاستعمار لم يكن فقط احتلال أرض، وإنما إعادة تشكيل للإنسان: كيف يفكر، كيف يرى نفسه، وكيف يفسر علاقته بالقوة والسلطة والمعرفة. وحين رحل المستعمر شكليًا، بقيت كثير من أدواته حاضرة: في الإدارة، في التعليم، في الاقتصاد، وحتى في اللغة التي تُفهم بها مفاهيم السيادة والاستقلال.

هنا تبدأ المفارقة. الاستقلال لم يتحول في كثير من الحالات إلى لحظة تأسيس، وإنما إلى مرحلة انتقالية طويلة لم تكتمل. الدولة بقيت تدير ما ورثته أكثر مما تعيد صياغته. والمجتمع ظل عالقًا بين ذاكرة القهر وحاضر لا يحقق قطيعة حقيقية معها. في هذا الفراغ، تتشكل حساسية مفرطة تجاه أي تجربة تبدو وكأنها خرجت من هذا المسار.


الخليج، في هذا السياق، يظهر كاستثناء مربك. ليس لأنه بلا تحديات، وإنما لأنه لم يمر بنفس المسار التاريخي. العلاقة مع الخارج، خصوصًا الغرب، لم تُبْنَ على ذاكرة إذلال مباشر، وإنما على توازن مصالح. هذا الفارق البسيط ظاهريًا عميق في أثره. من عاش تجربة الاستعمار يرى في أي انفتاح امتدادًا للهيمنة، ومن لم يعشها يرى فيه أداة من أدوات البناء.

هذا الاختلاف في التجربة أنتج اختلافًا في اللغة. لغة المحيط مشبعة بمفاهيم الشك، الهيمنة، التبعية، بينما لغة الخليج تميل إلى البراغماتية، الشراكة، وإدارة الفرص. حين تتقاطع اللغتان، لا يحدث حوار، وإنما سوء فهم متبادل، لأن كل طرف يقرأ الآخر من داخل قاموسه الخاص.

ولأن الإنسان لا يحتمل التناقض طويلًا، يلجأ إلى التفسير الذي يريحه. من يجد نفسه أمام نموذج لم يستطع تفسيره بأدواته المعتادة، يعيد تأطيره ضمن ما يعرفه مسبقًا. هكذا تتحول تجربة الخليج، في بعض الخطابات، إلى نتيجة ظرف خارجي، أو إلى امتداد غير مباشر لبنى القوة العالمية. ليس لأن هذا التفسير دقيق، وإنما لأنه يخفف من صدمة المقارنة.

في العمق، هذه ليست مشكلة معرفة، وإنما مشكلة معنى. كيف يفهم الإنسان نجاح الآخر إذا كان هذا النجاح لا يشبه المسار الذي تربى عليه؟ كيف يتعامل مع تجربة لم تمر عبر نفس الآلام التي شكلت وعيه؟ هنا يظهر الميل إلى تقليص قيمة التجربة المختلفة، أو التشكيك في أصالتها، أو انتظار تعثرها كنوع من إعادة التوازن النفسي.

الخطاب الثقافي أسهم في ترسيخ هذه البنية. عبر عقود، تم إنتاج سردية تجعل من الخليج حالة استثنائية مؤقتة، أو نتاجًا لعوامل خارجية، دون الغوص في التحولات الداخلية التي حدثت فيه. هذه السردية لم تكن دائمًا نتيجة نية مسبقة، وإنما تعبير عن حدود الإدراك داخل سياق تاريخي معين. ومع التكرار، تحولت إلى قناعة، تتناقلها الأجيال وكأنها حقيقة بديهية.

وما يبدو اليوم شماتة بشأن ما تتعرض له دول الخليج من عدوان سافر من الجار الضال إيران، يحمل في داخله طبقات أعمق: شعور غير محسوم تجاه الذات، علاقة مضطربة مع الماضي، ومحاولة مستمرة لفهم عالم لم يعد يعمل بالقواعد القديمة. الشماتة هنا ليست هدفًا، وإنما عرض لحالة بحث لم تكتمل.

الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالرد أو الدفاع، وإنما بإعادة بناء المعنى. حين يدرك الإنسان أن التجارب لا تتطابق، وأن لكل مجتمع مساره الخاص، يصبح قادرًا على النظر إلى الآخر دون الحاجة إلى اختزاله. عندها فقط يتحول الاختلاف من مصدر توتر إلى مساحة للفهم.

في النهاية، ما نراه ليس صراعًا بين نجاح وفشل، وإنما بين رؤيتين للعالم، تشكلتا في ظروف مختلفة. ومن دون إدراك هذه الفوارق، سيظل الحوار يدور في حلقة مغلقة، حيث يتحدث كل طرف بلغته، ويظن أنه فهم الآخر.