عبلة مرشد

تزامنًا مع ما نشهده من تطوير غير مسبوق في المنشآت المؤسسية، وفي آلية التعاملات الإلكترونية، وبما نعيشه من ارتقاء في جميع ما تتطلبه متطلباتنا اليومية، وما نسعى إلى تحقيقه من أهداف وآمال ما زلنا نعمل من أجلها بما يناسب السعودية اليوم والمستقبل، فإن التقنية وأدواتها طغت على جميع مقدراتنا الخاصة والعامة، حتى أصبحت سلاحًا ذا حدين، يقتضي الاستفادة من إيجابياتها، ضبطها وإحكام المتابعة لها ومراقبتها، خاصة فيما يتصل بالتعاملات المالية، بما يحفظ أمن المواطن والمقيم، وبما يؤمن الأمن الوطني في التعاملات الإلكترونية التي تتصدر المشهد في عصرنا اليوم.

تتداول وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من أخبار وقصص الاحتيالات الإلكترونية التي تستهدف كثيرًا من المواطنين بصفة خاصة في ممتلكاتهم وأرصدتهم المالية في البنوك، من خلال عصابات تعمل على زعزعة أمن البلد وتسعى لتعكير صفو المواطنين، بما تقوم به من سرقات واحتيالات، والتي لا تكفي حمايتها بالتوعية العامة أو عبر الرسائل النصية أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى عبر سماعك بل ومعايشتك لتلك القصص؛ لأنه من الممكن أن تكون أنت الفريسة القادمة من حيث لا تدري.

لتلك العصابات أساليب ذكية متعددة ومبتكرة تنتهجها بوسائل احترافية مخادعة، وتبدل آليتها ما بين آونة وأخرى، لتخترق عبرها حسابات المواطنين وتتمكن من سرقتها من خلال التحويل من تلك الحسابات، أو بيع ما يمتلكون من أسهم ومستندات وغيرها من الوثائق التي تعد البنوك في الغالب صندوقها الآمن ومستودعها النظامي.

عندما تحدث تلك الاختراقات لحسابات المواطنين وغيرهم بتلك الأساليب المتنوعة، في ظل انتهازية واستغفال لبراءة المواطن، واستغلال لحسن نيته لعظم ثقته في جهازه الأمني الذي يعتز به وبمؤسساته المالية التي يأمنها؛ فإنه بلا شك سيقع ضحية هذا الاحتيال المستمر رغم ما يتلقاه من تحذيرات عبر رسائل توعوية، وسيكون هو الحلقة الأضعف في مقاومة التحدي الممنهج وتلك الأساليب الإلكترونية المتقدمة في آلياتها.

السؤال الذي يطرح نفسه في ظل انتشار واضح ومزعج لهذه الاحتيالات الإلكترونية، والذي تؤكده البنوك نفسها من كثرة ما يتعرض له عملاؤها من اختلاسات لحساباتهم بعد استغفالهم من تلك العصابات، هو ما دور المركز الوطني للأمن السيبراني في متابعة تلك الاختراقات الإلكترونية؟! وما هي مسؤولية الجهات الأمنية في المتابعة ؟ وهل لدى الجهات الأمنية التي تتلقى بلاغات مستمرة من المواطنين، آلية لضبط تلك الاختلالات الأمنية وحوكمتها؟ بمعنى هل هناك إدارة أمنية معنية بضبط تلك الاختراقات الإلكترونية؟. ومن جانب آخر، لماذا تقف البنوك سلبيًا أمام تلك الاختراقات، -حتى وإن ساهم العميل في حدوثها لغفلة منه، خاصة بعد مراجعة العميل وعلمها بالاحتيال؟! لماذا لا توجد سياسات مشتركة بين البنوك التي يحكمها نظام البنك المركزي، لضبط تبادل التحويلات واسترجاعها في حالة ثبوت الاحتيال ومراجعة العميل لها؟. لماذا لا يستطيع البنك استعادة التحويل بأثر رجعي بعد تأكده من عملية احتيال؟ رغم أن اسم العميل المحتال يظهر وكذلك رقم حسابه لكلا البنكين، وهناك بيانات كاملة لذلك المحتال في البنك المستفيد مهما حاول تزييفها؟.

ومن جانب آخر ما دور هيئة الاتصالات في ضبط تلك الرسائل المزيفة التي يتكرر إرسالها للمواطنين -كمدارس القيادة النسائية- ويثبت كثيرًا أنها محتالة؟ ما دور الهيئة في ضبط الأرقام التي يتواصل بها المحتال وإمكانية تحديد موقعه وجهته؟ وما دور الجهات الأمنية في متابعة حوادث احتيالات متكررة لأسماء مؤسسات خاصة ورسمية مزيفة؟ وكيف يمكن ضبط مواقعهم الإلكترونية من خلال الأمن السيبراني وحوكمتهم؟.

بفضل من الله نعيش في أمن وطني واستقرار معيشي قلما يتوفر لكثير من شعوب الدول المتقدمة في العالم، ولكن بسبب ما نعيشه من خلل واضح في التركيبة السكانية نتيجة لظروفنا التنموية المتسارعة، وبما نشهده من رفاهية وارتقاء في آلية التعاملات الإلكترونية؛ فإن ذلك أوجد تربة خصبة للمنحرفين من بعض الوافدين المتمرسين في الاحتيال والالتفاف على الأنظمة، ومن بعض المواطنين الذين يشاركونهم الاحتيال والنصب الممنهج.

ما يحدث من احتيالات متنوعة باسم «مدارس القيادة النسائية المزيفة»، انتشر بصورة مرعبة، ويشير إلى أن هناك من العاملين/‏ات في تلك المدارس النظامية، يتعاون مع تلك العصابات بتزويدهم بأسماء وكشوفات حقيقية موجودة، وعليه يتم التواصل معهم من المحتال، بما يسهل تمرير عملية الاحتيال والنصب ونجاحها.

حفظ الأمن الوطني في التعاملات الإلكترونية بما يناسب حجم التعامل بها وطنيًا؛ يقتضي تدخلًا سريعًا من المركز الوطني للأمن السيبراني، وتعاونًا منظمًا بين البنوك المحلية تحت مظلة البنك المركزي، كما يستدعي تهيئة الإدارات الأمنية التي تتلقى شكاوى وبلاغات المواطنين، بجهاز أمني وكوادر قادرة على ضبط ومتابعة تلك الاحتيالات الإلكترونية، ومحاكمتها في حال وجودها داخل الوطن، وتجميد حساباتها وإيقافها بالتعاون بين البنوك والاتصالات والجهات الأمنية والأمن السيبراني.