إبراهيم نيازي

هيمنت الأرقام بأشكالها الرمزية على اهتمامات المفكرين والعلماء، منذ قديم الزمان حين جعلوها هدفا تتحول بموجبه إلى أعداد تفرز نظريات وقوانين وتنبؤات، وارتبطت في مسيرة الحضارات بأحداث ومناسبات لها دلالاتها، التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية، مما حفز الإنسان أن يكون عددا صحيحا في مجتمعه، ويوضع رقم الصفر على يمين العدد إذ لا قيمة له على يساره كما قال الخوارزمي.

وتمنح الهيئات والمنظمات المتخصصة، الدول كل عام أرقاما في مضمار السباق الحضاري العالمي، كمؤشر على تقدمها العلمي والاقتصادي والتعليمي والأمني.

في عصرنا الحاضر توصل العلماء إلى معرفة المزيد من أسرار الأرقام، ومعادلاتها و تأثيراتها على تقنيات الاتصالات والتطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، مما يجعلها تقترب من التحكم في أساليب حياة المجتمعات البشرية وسلوكها.

جاءت تقنيات الاتصالات الجديدة، بعد أن لعبت الأرقام دورا رئيسا في أسرارها وغموضها، من حيث السرعة والسيطرة وتنفيذ الأوامر والتأثير الاجتماعي، وهو ما يمهد الآن للقادم الجديد، الروبوتات الذكية، التي ستُحدث تغيرا كبيرا في حياة الناس.

هذه الروبوتات لها خاصية التعرف على الأشياء، وتنفيذ جميع الخدمات والمهمات الصغيرة والكبيرة «برمز الأرقام» وتقوم بعمل الطبيب والمستشار القانوني، والمعلم والحكواتي، والخادم في المنزل، إضافة إلى عملية التواصل مع الآخرين، وتزويد المستفيد بأحدث المعلومات والأخبار، والإجابة على الأسئلة والاستفسارات واقتراح البدائل، وطرح الحلول بذكاء خارق.

وقد بدأت الشركات المصنعة عرض منتجاتها بأحجام ومهام متنوعة، وتنافس كبير في المعارض الدولية، وصاحبها آراء ودراسات من علماء النفس والاجتماع عن الآثار المحتملة لتلك التقنية، وهذا يجعل الهواتف الذكية والجيل الرابع من الماضي.

إلا أن المخاطر المحتملة تبقى هاجسا لدى البعض، وكمثال واحد على ذلك الضجة العالمية التي حدثت مؤخرا، بعد ارتفاع أرقام ترددات منصات تقنية الجيل الخامس في الولايات المتحدة، لأسباب علمية مقصودة، وهو الأمر الذي دعا شركات طيران بعض دول العالم، إلى إلغاء رحلاتها إلى مدن أمريكية، بسب تأثيرات على عمليات الهبوط والإقلاع للطائرات، وهذا يعني قوة رهيبة لحزمة موجات «ميجاهرتز» بنطاقاتها الترددية خاصة العالية منها.

ورغم الاختراعات الجديدة المذهلة، وتمكن العلماء من ترجمة معطيات الخيال العلمي على أرض الواقع، إلا أنهم لم يقتنعوا بما تم إنجازه، ليبحروا سنوات في محيط الأرقام بالتعاون مع المراكز العلمية والمعامل، والمختبرات والأجهزة المتطورة، ونتائج اكتشافات الأرض والفضاء، ليقرروا تصنيع أكبر جهاز حاسوب حتى الآن، جمعوا فيه مليارات البيانات الرقمية، ثم صمموا هيكل روبوت في حجم إنسان ونقلوا داخله تلك الشرائح المعلوماتية بعد تصغيرها، وهم يحلمون بقدرته على التفكير والتنبؤ بأحداث المستقبل، بسب تفاعل المعلومات بما يحقق لهم الهدف الأكبر... إلا أنهم لم يكملوا المشوار، حين اصطدموا مثل من سبقهم بحقيقة «القيمة المجهولة» في حساباتهم، فانهارت أحلامهم وتقزمت افكارهم وتشتت آمالهم وخططهم ووقفوا بحسرتهم عاجزين، أمام أسرار الروح التي هي من أمر ربي.

فسبحان الله وبحمده العظيم القائل في كتابه العزيز «يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».