ماجد الجريوي

تتردد الكثير من المترادفات وباختلاف الأسلوب، عن أن الجمهور اليوم أصبح واعيًا أكثر من أي وقت مضى، وأن وجوده الدائم وسهولة وصوله لشبكات التواصل الاجتماعي، وإمكانية التعبير عن نفسه بشكل تلقائي، تزيد من وعيه وذكائه وقدرته على التمييز والنقد، بل أصبح اليوم يملك أدوات للنقد والتحليل حادة ودقيقة، قادرة على الطرح الموضوعي. وغالبًا ما تفوح رائحة هذه الفكرة وتظهر على السطح مع كل أزمة تخص إحدى الجهات، أو فكرة جدلية تثار في الفضاء الرقمي. فالكل يدلو بدلوه دون قيود. وللتأكيد على هذا الموضوع توقف الآن عن قراءة المقال مؤقتا، واذهب لخانة البحث في تويتر واكتب «الجمهور واعٍ»، واستعرض النتائج التي تصب كلها في صالح الجمهور!

هل نحن ملائكيين فعلا، وأصبح الجمهور واعيًا لهذه الدرجة؟ وإذا كان كذلك لماذا وعيه فقط محصور في شبكات التواصل الاجتماعي، وخلف شاشات الهواتف، رغم أن من المفترض أن ينعكس وعيهم على سلوكهم في الواقع.

لماذا يظهر وعيهم في الأزمات، كما حدث مثلا في فيديو شركة الطيران الجدلي، والكثير من المواقف والأحداث والأزمات التي تحركهم افتراضيًا فقط! التساؤل الذي يتأهب للطرح ببراءة في مقالتي هذه، هو: هل الجمهور أصبح واعيًا، أم أن التأجيج أصبح أسهل بسبب الاختباء خلف الشاشات؟ في زعمي.. الجمهور يبقى جمهورًا لم يتغير، ولم يصبح واعيًا اليوم بفضل شبكات التواصل، بل هو وعيه نفسه بالأمس وغدًا. يقول عالم النفس الفرنسي (جوستاف لوبون) في كتابه (سيكولوجية الجماهير): «إن من الخصائص النفسية للجماهير أساسًا تلاشي الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية، ولذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح إنسانًا آليًا ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده. فالجماهير لا يمكن تحريكها والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف لا المنطق، وإذا غاب المنطق غاب الوعي».

ثم يضيف لوبون: «ما إن يجتمع عدد من الكائنات الحية، حتى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سُلطة زعيم ما، يلعب دورًا ضخمًا بالنسبة للجماهير البشرية، فالجماهير عبارة عن قطيع لا يستطيع الاستغناء عن سيد، وتحصل من الجماهير على طاعة وانقياد». ففي حالة تويتر -هنا- قادة الرأي الجدد وأصحاب المتابعين الذين يتجاوزون عشرات الآلاف، هم زعماء لهؤلاء الجماهير ومحركون لهم.

كل هذا يزيد من إيماني بأن الجمهور أسير لقائد رأي، يحركه كيفما يشاء، فهو لا يبتكر ولا يقود الفكرة، بل يتبنى عاطفيًا أفكار غيره، فالوعي بعيد عنه، إضافة إلى أنه يمتلك ذاكرة سمكية كذلك. فهو سيحدث زوبعة مع كل أزمة أو حدث في شبكات التواصل الاجتماعي، لكنها لن تطول وسينشغل بأزمة أخرى وسينسى الأولى. وهذا من صالح الجهات التي تتعرض للأزمات، وسيساعدها في تجاوز أزماتها بشكل أسرع!