عبدربه الطهيفي

لطالما كانت أهم وأعمق الاكتشافات هي التي كانت مخفية خلف انطباعات تبدو بديهية لكنها خطأ.

لآلاف السنين، ظن الناس، علماء وعوام، أن الشمس تدور حول الأرض، لا العكس.

كان ذلك يبدو بديهيًا للجميع، لكنه لم يكن صحيحًا.

ومن بين هذه «البديهيات» الخطأ أيضًا، الاعتقاد بأن طباع الأمم وثقافاتها وأنماط تفكيرها وسلوكها ثوابت لا تتغير.

هذا غير صحيح.

وإثبات عكسه أسهل من إثبات دوران الأرض حول الشمس.

المثير هنا، والخبر السعيد، أن تغيير طريقة تفكير شعب ما لا يتطلب أكثر من 25 سنة، أي جيلٍ واحد فقط، إذا وُجدت الإرادة.

وليس هذا من ضروب الخيال والتمني، بل من وقائع التاريخ والتجارب والدراسات العلمية.

فتغير نمط التفكير والعقل الجمعي والسلوك ليس قدرًا لا مناص منه، ولا هو محفور في الجينات،

بل إنه يحصل بقرارات إدارية، ومناهج تعليم، وتوجيه إعلام، وخطاب ديني.

من المعروف والمجرب أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة أسرية تُغذيهم على نمط معين من التفكير، ينمون على هذا النمط ويصبح هو إطارهم الفكري.

وعندما ينشأ الأطفال في دول تتبنى قيمًا وأفكارًا معينة، وينخرطون بشكل كامل مع أبناء المجتمع المضيف، فإنهم يكتسبون نفس الإطار الفكري السائد في ذلك المجتمع.

أما إذا كان انخراطهم جزئيًا، فإنهم يكتسبون إطارًا فكريًا جزئيًا بنفس القدر الذي تلقوه من التعليم والتثقيف والتوجيه في البلد المضيف.

وهذا يدل بوضوح على أن الإطار الفكري ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة مباشرة للبيئة التعليمية والثقافية التي ينشأ فيها الفرد.

والدراسات العلمية التي ناقشت هذا الأمر كثيرة، والتجارب التي طبقتها دول من سنغافورة إلى فنلندا إلى كندا تثبت ذلك.

وعودة ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية من الشواهد على أن النهوض وتغير الإطار الفكري لا يحتاج أكثر من جيل واحد كحد أدنى.

إذن، المسألة ليست قدرًا يجب التسليم له والتعايش معه، بل بيئة فكرية تُزرع، وتنمو، حتى تؤتي ثمارها.

وعليه، فإن ثالوث التغيير الحقيقي يبدأ من التعليم، ويمر بالإعلام، ويتعزز ويتحصن بالخطاب الديني.

إن جيلًا يتعلم عبر منهج دراسي مدروس بحكمة يحفزه على التفكير والابتكار، لا الحفظ والتلقين، يرسخ لديه احترام الوقت والانضباط والعمل الجماعي، ويتلقى من إعلامه رسائل موجهة ومدروسة تدربه على التحليل السليم والمنطق والتشكيك المنهجي، والتحري والتثبت، وتدعمه وتحصنه منابر دينية تحترم العقل وتحرره من الكهنوت والتلقين الأعمى، وتعيد للعقل دوره كأداة للفهم، لا كخطر يجب التحذير منه،

هذا الجيل هو من سيبني للأمة مجدها، بل هو حينها سيكون هو الأمة بعد 25 عامًا.