خالد العضاض

ليس من السهل على الشعوب أن تدرك لحظات التحول الكبرى وهي تعيشها، فالتاريخ غالبًا لا يكشف عن مفاصله الحقيقية إلا بعد أن تمضي سنوات طويلة، غير أن بعض اللحظات تكون من الوضوح بحيث يدركها الناس وهم في قلبها، لأنها تغير طريقة تفكيرهم قبل أن تغير واقعهم، وفي السادس والعشرين من شهر رمضان، يستعيد السعوديون ذكرى واحدة من تلك اللحظات المفصلية في تاريخ دولتهم الحديثة؛ يوم صدور الأمر الملكي الكريم بتولي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولاية العهد.

لم يكن ذلك القرار مجرد انتقال في هرم القيادة داخل الدولة، بل كان بداية مرحلة مختلفة في مسيرة المملكة العربية السعودية؛ مرحلة ارتفع فيها سقف الطموح الوطني، وانتقلت فيها الدولة من التفكير في إدارة الاستقرار إلى التفكير في صناعة المستقبل، فمنذ تلك اللحظة، بدأ السعوديون يشعرون أن بلادهم تدخل طورًا جديدًا من العمل الوطني يقوم على الجرأة في القرار والوضوح في الأهداف.

لقد قدم الأمير محمد بن سلمان للسعوديين أكثر من مجرد برامج حكومية أو خطط اقتصادية؛ قدم لهم رؤية جديدة لأنفسهم ولدولتهم، فالدول، في نهاية المطاف، لا تتغير فقط بالمشاريع والأنظمة، بل تتغير حينما يتغير تصور المجتمع لحدود طموحه وإمكاناته.

وحينما تولى سمو الأمير محمد بن سلمان دفة القيادة تحت مظلة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لم تكن مجرد قيادة تقليدية، بل كانت إعلانًا عن تحول فكري عميق هو: الانتقال من ذهنية إدارة الموارد إلى ذهنية صناعة الفرص، وقد عبر سمو ولي العهد عن هذه الفكرة بوضوح عندما قال في إحدى مقابلاته: «نحن نعتقد أن السعودية لم تستغل إلا جزءًا بسيطًا من إمكاناتها، ولدينا قدرات هائلة يمكن أن تجعلها نموذجًا رائدًا في العالم»، وهذه العبارة تلخص جوهر المرحلة التي تعيشها المملكة اليوم؛ مرحلة تقوم على استثمار الإمكانيات الوطنية، وتحويلها إلى قوة اقتصادية عالمية.

لقد أكد سمو الأمير محمد بن سلمان، رجل التحول السعودي، عمليًا أن السعودية تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون واحدة من الاقتصادات الكبرى في العالم، ومنذ تولي سموه المسؤولية، بإدارة شجاعة عالية الطراز، نجحت المملكة في بناء قطاعات اقتصادية جديدة في الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والترفيه والاستثمار العالمي، وفي غضون سنوات قليلة ظهرت ملامح هذا النجاح بوضوح، فقد تحولت المشاريع الكبرى التي أُطلقت في السنوات الأخيرة إلى عناوين رئيسة لمستقبل الاقتصاد السعودي، إذ أصبحت تلك المشاريع والمبادرات العملاقة، تعبيرًا عن فلسفة جديدة في التنمية تقوم على الابتكار واستشراف المستقبل، ولا يقودها إلا الحالمون، كما يعبر أمير الحلم السعودي.

غير أن التحول الفاعل الذي قاده سمو الأمير محمد بن سلمان لم يكن اقتصاديًا فقط، بل امتد ليشمل المجتمع ذاته، والإنسان السعودي نفسه، فقد شهدت المملكة، خلال السنوات الأخيرة، تغيرات اجتماعية وثقافية واسعة أعادت تشكيل الحياة اليومية للمواطن السعودي، وتوسعت مشاركة المرأة في سوق العمل، وظهرت قطاعات جديدة في الثقافة والترفيه والسياحة، وتحولت المدن السعودية إلى مساحات أكثر حيوية وانفتاحًا، هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات شكلية، بل كانت جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى إطلاق طاقات المجتمع السعودي وإتاحة الفرصة أمام أفراده لتحقيق طموحاتهم داخل وطنهم، وقد لخص سمو ولي العهد هذا التوجه بقوله: «نريد أن نعيش حياة طبيعية، حياة تزدهر فيها بلادنا ويحقق فيها المواطن طموحه»، وهي عبارة تعكس البعد الإنساني في مشروع التحول الذي يقوده سموه، حيث لا يقتصر الهدف على النمو الاقتصادي فحسب، بل يشمل أيضًا تحسين جودة حياة المواطن السعودي.

ومن هنا يمكن فهم ما يعنيه «محمد بن سلمان» لشعبه؛ فهو بالنسبة للسعوديين ليس مجرد قائد سياسي، بل رمز لمرحلة جديدة من الطموح الوطني، فالمملكة اليوم تقودها قيادة شابة في مجتمع يشكل الشباب فيه غالبية السكان، وهذا التلاقي بين قيادة شابة ومجتمع شاب خلق حالة فريدة من الحماس والطموح المشترك.

يضاف إلى ذلك أن سمو الأمير محمد بن سلمان أعاد صياغة علاقة المملكة بالعالم، فالسعودية اليوم لم تعد مجرد دولة نفطية كبرى، بل أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا مؤثرًا في النظام الدولي، ومن خلال التأثير السياسي والدبلوماسي، والاستثمارات العالمية والشراكات الاقتصادية الكبرى، واستضافة الفعاليات الدولية، تسعى المملكة بفكر أمير حلمها، إلى ترسيخ موقعها كأحد أهم القوى السياسية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وقد انعكس هذا التحول على صورة المملكة في العالم، فالسعودية اليوم تقدم نفسها بوصفها دولة تجمع بين عمقها التاريخي وطموحها المستقبلي؛ دولة تحافظ على هويتها وقيمها، لكنها في الوقت نفسه تنفتح بثقة على العالم وتسعى إلى أن تكون جزءًا فاعلًا في تشكيل ملامح المستقبل.

ولم يقتصر أثر هذه التحولات التي يقودها سمو الأمير محمد بن سلمان بفكره الفذ على الداخل السعودي فحسب، بل امتد إلى مستقبل المنطقة بأسرها، فالشرق الأوسط الذي عانى طويلًا من الصراعات والتوترات يحتاج إلى نماذج جديدة للتنمية والاستقرار، وهذا ما يوفره مشروع التحول الذي تقوده السعودية لإعطاء نموذج يمكن أن يعيد توجيه المنطقة نحو الاقتصاد والتنمية بدلًا من الصراعات، في تجربة بدأت تلهم دول الشرق الأوسط.

وفي ذكرى السادس والعشرين من رمضان، لا يستحضر السعوديون حدثًا سياسيًا فحسب، بل يستحضرون بداية مرحلة أعادت تعريف طموحهم الوطني، ففي محمد بن سلمان يرى السعوديون قائدًا يجمع بين إرث الدولة السعودية العريق وروح العصر، ويرون قائدًا يقود بلاده بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها ومكانتها، فهو من طراز القادة الذين لا يديرون الحاضر فحسب، بل ويصنعون المستقبل.

لقد تغير الكثير في السعودية، والقادم أعظم وأعمق وأكبر، لشعب عظيم بقيادة عظيمة، فالأمم العظيمة تعرف لحظات التحول في تاريخها، والسعودية تعيش إحداها.