أبها: الوطن

شهدت المملكة موسم عمرة استثنائيًا خلال شهر رمضان 1447هـ، تجلّت فيه أعلى درجات الجاهزية والتكامل المؤسسي لخدمة ضيوف الرحمن، في مشهد إيماني مهيب عكس العناية بالحرمين الشريفين وقاصديهما امتدادًا لتوجيهات القيادة، وحرصها على تقديم تجربة متكاملة تعزز راحتهم وسلامتهم. فقد توافد الملايين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، في واحدة من أكبر وأدق عمليات إدارة الحشود في العالم، أُديرت بكفاءة عالية عبر منظومة تشغيلية متقدمة وخطط استباقية محكمة، أسهمت في تحقيق انسيابية الحركة وجودة الخدمات رغم الكثافات المليونية، خصوصًا في العشر الأواخر وليلة السابع والعشرين من رمضان.

جودة الأداء

أعلنت الجهات المعنية نجاح خططها التشغيلية، حيث تجاوز عدد معتمري الخارج 1.68 مليون معتمر، فيما تخطى عدد حجوزات الصلاة في الروضة الشريفة 1.1 مليون حجز لقادمين من 155 جنسية، في مؤشر واضح على تنامي الإقبال وسهولة الوصول إلى الخدمات الرقمية المنظمة للزيارة. كما قدّمت مراكز «نُسك عناية» أكثر من 153 ألف خدمة بـ11 لغة، وتعامل مركز العناية بضيوف الرحمن مع نحو 19.7 ألف بلاغ واستفسار بنسبة معالجة تجاوزت 93.3%، ما يعكس كفاءة الاستجابة وجودة الأداء.

كفاءة التنقل

جاء هذا النجاح ثمرة تناغم دقيق بين مختلف القطاعات الحكومية، التي عملت ضمن منظومة متكاملة شملت الجهات الأمنية والصحية والخدمية والتشغيلية، مدعومة بغرف عمليات متقدمة، ولوحات بيانات تجاوز عددها 80 لوحة استفادت منها أكثر من 200 جهة لتعزيز اتخاذ القرار اللحظي. كما نفذت الفرق الرقابية أكثر من 21.5 ألف جولة ميدانية لضمان الالتزام بالأنظمة ورفع جودة الخدمات.

وفي جانب إدارة الحشود والتنقل، أسهمت المبادرات النوعية في تنظيم المسارات وتخصيص ممرات للعربات الكهربائية، وإطلاق خدمات النقل من الفنادق إلى الحرم، إلى جانب الخرائط التفاعلية ثلاثية الأبعاد (3D) وتقنيات (QR) لتسهيل الوصول. كما نقلت منظومة النقل في مكة المكرمة أكثر من 64 مليون راكب عبر 1.5 مليون رحلة، فيما استفاد أكثر من 3.6 ملايين زائر من خدمات النقل الترددي في المدينة المنورة عبر أكثر من 70 ألف رحلة، مما عزّز كفاءة التنقل وخفف الضغط على المنطقة المركزية.

مشاريع تنموية

امتدت الجهود إلى تطوير الخدمات التشغيلية، بما في ذلك تحسين خدمات النظافة والإمداد، وتنظيم سفر الإفطار عبر نموذج حوكمة متكامل بالتعاون مع منصة «إحسان»، وتطوير خدمات سقيا زمزم، إضافة إلى توزيع عبوات المياه ضمن وجبات الإفطار. كما افتُتح أكثر من 16 مركزًا للعناية بالضيوف، وتوفرت خدمات الترجمة الموحدة والأجهزة الإلكترونية، إلى جانب المصاحف الرقمية ودليل المصلي الرقمي.

ولعب القطاع غير الربحي والجهات الأهلية دورًا بارزًا في دعم هذه الجهود، حيث تم توزيع 150 ألف وجبة إفطار داخل المسجد الحرام وساحاته، وتوفير 1.5 مليون عبوة ماء، إلى جانب تنفيذ مشاريع تنموية مثل توفير 300 محطة تحلية للأسر المحتاجة. كما بلغ إجمالي ساعات العمل التطوعي أكثر من 15.330 ساعة بمشاركة 2.190 متطوعًا، محققًا عائدًا اقتصاديًا تجاوز 643 ألف ريال، ما يعكس فاعلية المشاركة المجتمعية في خدمة ضيوف الرحمن.

جاهزية تشغيلية

أسهمت التوسعات الكبرى، وفي مقدمتها التوسعة السعودية الثالثة وأدوار المسجد الحرام، في رفع الطاقة الاستيعابية وتوزيع الحشود بكفاءة، مدعومة بأنظمة ذكية لمراقبة الكثافات البشرية وتحليل تدفقها لحظيًا، مما مكّن القاصدين من أداء مناسكهم في أجواء يسودها الأمن والطمأنينة.

وتُعد أدوار المسجد الحرام رافدًا حيويًا للبيت العتيق، أسهمت بشكل فاعل في استيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين والمعتمرين، لا سيما خلال المواسم الدينية التي تشهد كثافة بشرية عالية، خاصة في شهر رمضان المبارك وموسم الحج، إذ تتضاعف أعداد القاصدين بصورة ملحوظة، مما يستدعي جاهزية تشغيلية عالية ومنظومة متكاملة لإدارة الحشود.

وصُممت هذه الأدوار وفق أحدث المعايير الهندسية والمعمارية، لتوفير مساحات إضافية مهيأة للصلاة والطواف، بما يضمن انسيابية الحركة وتوزيع الحشود بشكل متوازن، ويحدّ من التكدس في المناطق الحيوية كصحن المطاف والمسارات المؤدية إليه، الأمر الذي يعزز من راحة القاصدين ويُمكّنهم من أداء مناسكهم في أجواء يسودها الخشوع والطمأنينة، وروعي في تصميمها تحقيق أعلى معايير السلامة، من خلال توفير مخارج طوارئ متعددة وأنظمة إنذار متقدمة.

وترتبط الأدوار المختلفة بشبكة متكاملة من الممرات والمصاعد والسلالم الكهربائية، إضافة إلى مسارات مخصصة لذوي الإعاقة وكبار السن، مما يسهم في سهولة الوصول والتنقل بين أرجاء المسجد الحرام، ويعكس مستوى العناية الفائقة بتيسير الحركة للجميع دون استثناء.

شراكة فاعلة

يعكس هذا النجاح نموذجًا سعوديًا متكاملًا في إدارة المواسم الكبرى، قائمًا على التخطيط الاستباقي، والتكامل المؤسسي، والاستثمار في التقنية والكوادر البشرية، إلى جانب الشراكة الفاعلة مع القطاع غير الربحي، بما يضمن تقديم تجربة إيمانية متكاملة تواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتؤكد ريادة المملكة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.