محمد بن صقر

عندما تمتلك الجماهير وعيا مرتفعا، تصبح أكثر قدرة على فهم أسباب الحروب ومساراتها، والتمييز بين أطرافها الحقيقية، وتلك التي يراد إقحامها فيها دون مبرر، أو ناقة أو جمل، كما تزداد قدرتها على فرز السرديات التي تدور في الفلك الإعلامي في محاولة يائسة منها لاختراق العقول، واختيار الأقرب إلى الواقع. ومع ذلك، في الحروب، لم يعد التحليل العسكري التقليدي على أهميته العامل الحاسم في تشكيل قناعات الجمهور. فالتأثير الحقيقي لم يعد يصنع فقط في الميدان، بل في مستوى أعمق: مستوى السردية الذي يخالطه صوت الصواريخ، فلم يعد السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل أصبح: كيف جرى تعريف ما حدث، ونخص بالحديث عن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؟ ففي مثل هذا الأمر، لا تقاس قوة الضربات العسكرية بحد ذاتها، بل بقدرة الطرف المنفذ على تسمية الضربة وتأطيرها ضمن معنى مقنع. فالتوصيف هو الذي يشكل الإدراك، ويحدد موقع الحدث في وعي المتلقي: هل تعرض سردية الضربة بوصفها ردعا وقائيا؟ أم تقدم كعدوان توسعي؟ أم تسوق كدفاع مشروع عن الأمن القومي؟ أم تفسر كأداة لفرض الهيمنة الإقليمية؟ هنا، لا تحسم المعركة في ساحة القتال فقط، بل في ساحة المعنى، حيث تتنافس السرديات على احتكار التفسير وتوجيه الوعي الجمعي نحو قراءة محددة. وهذا الإطار ينطلق من فكرة أن الرأي العام لا يتشكل فقط من الوقائع العسكرية، بل من الطريقة التي تُعرض بها هذه الوقائع وتُفسَّر عبر السرديات المختلفة. فالحكومات، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، جميعها تشارك في صياغة فهم الجمهور لما يجري، وفي تحديد من يبدو منتصراً ومن يبدو مسؤولاً عن التصعيد. ومع تطور تقنيات الاتصال والخوارزميات الرقمية، أصبح انتشار الروايات وتأثيرها أسرع وأكثر تعقيداً، بحيث يمكن لسردية معينة أن تتشكل وتنتشر عالمياً خلال ساعات، لتؤثر في إدراك الجماهير وفي مواقف الدول والمجتمعات تجاه الصراع.

وهذا الأمر يجعلني أنظر إلى الجماهير الخليجية في كيفية فهمها للحرب الراهنة وتداعياتها الإقليمية، التي يتجاوز الصراع حدودها المباشرة ليطال دول الخليج المجاورة لإيران بحكم الجغرافيا، من خلال الطائرات المسيرة والصواريخ التي استهدفت المدنيين والبنية التحتية في الخليج. غير أن هذه الأفعال لا تقدم دائما كما هي، بل تغلف بسرديات تبريرية تسعى إلى إضفاء شرعية على سلوك عدائي، أو صرف الانتباه عن أزمات داخلية سياسية واقتصادية، أو تعثر مشاريع توسعية.

تحاول هذه السرديات أن تعيد تعريف الفعل العدائي بوصفه ضرورة إستراتيجية أو دفاعا مشروعا، من خلال حجج واهية، وتسعى إلى إقناع الداخل والخارج بعدالة هذا المسار. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قابلية هذه السرديات للتصديق. فالجماهير الإيرانية لم تصدق السردية الإيرانية التي تروج لهم، ناهيك عن وعي الرأي العام الخليجي الذي يظهر وعيا متقدما في القدرة على قراءة هذه التناقضات من خلال السرديات التي تم إسقاطها على هذه الحرب، فنجد جزءا من السردية الأمريكية تكمن في التصريحات التالية، وهي الاستسلام غير المشروط وتدمير القدرات الصاروخية، كذلك منع إيران من السلاح النووي. وهذا يعني أن واشنطن تحاول تعريف الحرب على أنها عملية إزالة تهديد إستراتيجي، وهذا بالنسبة للخليج شأن دولي بين الولايات المتحدة وإيران، والخليج ليس طرفاً فيه. أما السردية الإيرانية والتي تحاول أن تصدرها من خلال خطابها الإعلامي، وهي تهديد ضرب ديمونا في إسرائيل وخطاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي وتبرير الهجوم على دول الخليجي بحجج مصالح أمريكا، وهذا ما استوعبته دول الخليج من خلال التخبط بين التصاريح والسلوك العدواني الممارس في استهداف البنية التحتية، وتهديد مصادر الطاقة العالمي، أما السردية الخليجية التي تميل إلى تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية فتظهر في إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، في حرب ليست طرفاً فيها، واعتراض الصواريخ للحفاظ على سلامة مواطنيها المقيمين على أراضيها، مع حق الرد.

وهذا يشير إلى أن دول الخليج تقدم الحرب بوصفها تهديداً للاستقرار الإقليمي وليس صراعاً أيديولوجياً، فالتجارب المتراكمة مع هذا الجار الجغرافي الذي يحاول زعزعة المنطقة منذ عدة عقود، والذاكرة السياسية، أسهمت في بناء حس نقدي تجاه الخطاب الإعلامي والسلوك الإقليمي. لذلك، لم تعد الرسائل الدعائية تستقبل بذات القابلية السابقة، بل تخضع للتشكيك وعدم التصديق. كما أن المجتمعات الخليجية تدرك مصالحها الإستراتيجية، وتعي أولوياتها، وتظهر مستوى عاليا من الثقة في قياداتها وقدرتها على إدارة الأزمات وتقليل الخسائر. ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن الصواريخ وحدها قادرة على صناعة سردية مقنعة، هو وهم إستراتيجي إيراني، فالقوة الصلبة، مهما بلغت، لا تكفي لفرض تفسير على وعي جمعي يمتلك ذاكرة وتجربة وقدرة على التمييز. وحتى إن أحدثت الصواريخ أثرا في الأرض، فإنها لا تضمن السيطرة على العقول. أما السردية المقنعة، حين تستند إلى واقع قابل للتحقق، فهي القادرة على كسب المعركة الأعمق، وهذا ما تدركه وتعمل عليه الجماهير الخليجية في وعيها الجمعي.