سلمان الحارثي

في المشهد المعاصر للتميز المؤسسي والريادة العالمية، استمالت الجودة لنفسها تعريفاً أكثر عمقاً وتحولاً؛ حيث أصبحت عبارة عن حوار إستراتيجي مستمر بين ما يصبو إليه الإنسان وما تستطيع تحقيقه. وفي قلب هذا التحول المفاهيمي، تبرز قوتان جوهريتان تشكلان معاً بوصلة النجاح لأي منظمة حديثة: «صوت المستفيد/العميل وصوت الجودة. وعلى الرغم من أن هذين المفهومين قد يظهران في الوهلة الأولى كوجهتين متناقضتين، اذ تعنى الأولى بالرغبات بينما تلتزم الثانية بالموضوعية، إلا أن التقاطع الحقيقي بينهما يمثل مهد الابتكار والركيزة الأساسية لتقديم خدمات ومنتجات ذات عيوب صفرية. ويبرز هذا التكامل بشكل حيوي وحاسم في إدارة البنية التحتية ذات المخاطر العالية، فعلى سبيل المثال، التجمعات البشرية والحشود. حيث تصبح موازنة هذين الصوتين ضرورة تتجاوز مجرد الإدارة التنظيمية لتصل إلى ضمان السلامة والمخاطر وتحقيق الكفاءة التشغيلية المطلقة.

يعرف صوت المستفيد/العميل، بأنه النبض الحقيقي والمؤشر النوعي لتطلعات السوق؛ فهو يمثل خلاصة الاحتياجات والتوقعات والتفضيلات، وحتى المخاوف التي يحملها المستفيد النهائي في أعماقه. وتعد عملية استقصاء صوت العميل التي تتجاوز مجرد جمع البيانات، لتصل إلى محاولة استنطاق الرغبات غير المعلنة. ومن الجدير بالذكر أن العميل/المستفيد في سياق التجمعات الكبرى نادراً ما يتحدث بلغة الأرقام أو المواصفات التقنية الدقيقة؛ فهو لا يطلب نظاماً لمعالجة البيانات الضخمة المعتمدة على الاستجابة العالية، بل يعبر عن رغبته بكلمات بسيطة مثل: «أريد أو أرغب. وبناءً على ذلك، يمثل صوت العميل المادة الخام للمتطلبات، وهي مادة تتسم بالصبغة العاطفية والتركيز التام على النتائج النهائية التي تلمس الحياة اليومية.

وفي المقابل، يبرز صوت الجودة كالنظير المهني واليوم التقني أيضا والمؤسسي الرصين، وهو الذي يمثل كيفية التنفيذ. إن صوت الجودة هو اللغة التي تتحدث بها المعايير الدولية والبروتوكولات الهندسية والخبرات المهنية المتراكمة؛ فهو الصوت الداخلي للمنظمة الذي يسأل بصرامة هل يمكننا بناء هذا النظام باعتمادية عالية؟ هل هو مستقر؟ هل يتوافق مع معايير الآيزو على سبيل المثال.

ففي عالم إدارة الحشود، يمثل صوت الجودة الضمانة الحقيقية بأن الشعور بالأمان الذي يطلبه المستفيد ليس مجرد وهم، بل هو حقيقة مدعومة بأنظمة تحديد هوية آلية، وتكامل دقيق ونماذج متطورة. اذ إن التفاعل الديناميكي بين هذين الصوتين ليس تفاعلاً سلبياً، بل هو علاقة قائمة على حالة من التوازن المتولد بين قوتين متنافستين والتي تحلل وتترجم بشكل مستمر؛ لدفع عجلة الابتكار والتحسين المستمر. حيث يلتقي الصوتان في إطار منهجي يُعرف بـ نشر ثقافة ووظيفتها، والذي يُجسد غالباً في نموذج بيت الجودة. وتبدأ هذه الرحلة عندما يتم تحويل صوت العميل الخام وتصريحاته المبهمة أحياناً إلى خصائص حرجة للجودة؛ فإذا كانت رغبة العميل هي سرعة النفاذ إلى خدمات محددة على سبيل المثال، فإن صوت الجودة يترجم هذه الرغبة إلى مواصفة فنية محددة تنص على أن الخدمات المحددة يجب أن ينفذ إليها ويستفيد منها عدد من العملاء في الدقيقة بمعدلات منخفضة وطفيفة من الخطأ وهنا تبرز أهمية التفاوض بين الرغبة والواقع، حيث يلتقي طموح العميل بالقيود الفيزيائية والاقتصادية والتقنية والزمانية. وقد يطالب العميل بخدمة فورية ومجانية تماماً، ولكن صوت الجودة يتدخل ليوضح الحدود والقيود، أو متطلبات «الطاقة» اللازمة لتشغيل شبكة خدمات مؤقتة ومستدامة لخدمة تجمع هائل، مما يدفع المنظمة نحو الابتكار لإيجاد حلول تحقق أعلى معايير الجودة ضمن أطر تقنية واقعية. وللحديث صلة.