أنس الرشيد

يُروى أن ابن دريد الأزدي قابل في طريقه -وهو ذاهب إلى مجلس علم- رجلا فارسيا جاء من شرق العراق، فانتهز الفارسي الفرصة ليسأل سؤالا غريبا: ماذا فعل الإسلام بقبائل العرب؟ قال الشيخ: جعلهم شعبا واحدا. قال الفارسي وماذا يعني هذا؟ قال الشيخ أتعرف ابن المقفع؟ قال نعم، قال فكيف تراه؟ قال: هو أديب فريد صاحب رأي سديد، قال الشيخ: أليس هو القائل إن القبائل للعرب والشعوب للعجم؟ قال بلى؟ قال الشيخ: أراد صاحبك أن يُزري بالعرب لكونهم قبائل لا شعب، ولكنه مدحهم من غير أن يدري، إذ قد كان شعار دعوته الباطنية (إسلام الشعوب لا إسلام العرب) ولكنه قال في إحدى خطبه أن الجيوش (الحجازية)! لم تستطع أن تصل إلى بلاد فارس إلا بعد أن وحدهم الإسلام، فإذا كان العرب قبائل غير مجموعة في شعب فقل لي: كيف استطاعوا أن يهزموا الإمبراطورية الفارسية؟

هذه الحكاية تصنع معنى جديدا مدهشا وهو أن من معاني الإسلام تشعيب العرب، أي جعلهم شعبا، واللافت أنهم -في الوقت نفسه- لم ينصهروا كقبيلة واحدة، بل ظلوا قبائل متمايزة، وهذا يعني أنهم شكلوا مفهوم الحلف بمعنى جديد ليكون بمعنى الشعب. وبهذا تكون لفظة: «تحالف العرب» تعني صاروا شعبا. ويبدو أن ابن دريد تقصد أن يجدد في هذا المفهوم؛ لأن الشعوبيين -الفرس- لم يفهموا معنى الشعب إلا من خلال أفق نظرهم الساساني وهو أن الناس شظايا بشرية مقسمة عموديا إلى طبقات وظيفية مغلقة، وجماعة مسخرة لتغذية النظام الهرمي. وهذا المعنى الساساني غير موجود عند العرب لأنهم قبائل لا تعرف النظم الإمبراطورية، ومن ثم رأى الشعوبيون أن الأعراق الأخرى مقدمة على العرب الذي بلا شعب، لكن اللافت أن الفرس -في سبيل هذا التفضيل- تحولوا إلى عرب يناظرون ويتعلمون باللغة العربية ويؤسسون علوما بها بوصفهم أفرادا، لكنهم حين بنوا دولتهم الإسلامية دون العرب وثقافتهم صار الحكم الإسلامي ساساني المخبر. ويبدو أن ابن دريد أراد أن يوصل معنى مهما لهذا السائل الفارسي، وهو أن المعنى العربي السياسي لكلمة شعب جاء من الإسلام الذي دان به الفرس، وأما الأقوام الفارسية فتشعبهم لم يكن من الإسلام إنما من شيء آخر. وهذا يحيلنا إلى حكاية أخرى لابن دريد أرى أنها متعلقة بالحكاية الأولى، وهي أنه سئل: كيف توجب أن يكون الأئمة من العرب، وفي الوقت نفسه تجعل الإسلام شاملا للناس كلهم؟ فقال: لا يستقيم أمر الإسلام إذا خرجت الدنيا عن حكم العرب، إلا إذا دان القوم بدين آخر؛ لأنَ الإسلام والعربية شيء واحد لا ينفصم، وأما التدين بالإسلام فهو للناس جميعا. وربما أن من تجليات كلام ابن دريد أن الفرس لما أسسوا دولا بالدين الإسلامي وفرضوه على أقوامهم، واجهوا مشكلة الازدواجية المتجلية بين اللغة القومية بثقافتها الحضارية المتجذرة شعبيا، والدين الجديد المتأسس على لغة العرب وأفقهم الوجودي، ومن هذه الأسس التأصيل الجديد لكلمة الشعب، المتولدة من حركة القبائل العربية وثقافتها. ويبدو لي أن كل الآراء التي حولت كلمة شعب إلى أن تكون طبقة من طبقات العرب جاءت بعد صنعة ابن دريد لها. وهذا يحيلنا إلى حكاية ثالثة -مرتبطة بابن دريد بشكلٍ ما- وهي أن مفهوم الشعب العربي ظهرت معالمه الواضحة في الدولة الأموية؛ حين كانت القبائل العربية تدير شؤون الدولة المترامية، ولم يكن لغير العرب إلا الهامش، فزاد النقاش في المجالس العلمية حول الآية: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» على أساس أنها آية صريحة في مساواة القبائل بالشعوب، وقد كانت دعوةُ المساواة -في مطلعها- تقتصر على الأمور التنفيذية الصغيرة وليس على سدة الحكم أو القرب منه، ولكن في الوقت نفسه كانت تلك الشعوب تُعين العباسيين على إسقاط الأمويين، فصار لهم ذلك، ولما قامت الدولة العباسية على أكتاف الشعوب غير العربية وسيوفهم كأبي مسلم الخرساني، تغير تفسيرُ الآية -عندهم- من المساواة إلى التفضيل فبلغت مطالبهم الوصول إلى الحجابة والوزارة في عصر العباسيين الأول ثم ما فوق ذلك في العصور اللاحقة، وكان من لوازم ذلك تحقير العرب لأنهم بلا إرث قديم وليسوا كالفرس الذين يستندون على إرثِ الساسانيين العتيق، وهذا ما يربط هذه السردية بابن دريد، الشيخ الذي انتبه لعلاقةِ الإسلام بالعرب وأنهما وجهان لشيء واحد، إذ تطورت الشعوبية في عصور بني العباس ليتبناها الكتاب بعقد مقارنات بين (بنية) الإمبراطوريات القديمة و(أخلاق) العرب الفردية التي تفخر بمآثر الأفراد وتكتلاتهم القبلية كالصدق في الحديث، وصلة الرحم، وإكساب المعدوم، وحمل الكل، وإقراء الضيف، والإعانة على نوائب الحق وغيرها، ومن المفارقات هنا أن العربي المسلم لما افتخر بأن نسبه شريف كالنبي، وسمى الشعوب الأخرى (موالي)، صنع المسلم غير العربي له نسبا شريفا يعود إلى سارة الحرة، ويلمزون العرب بأنهم يعودون إلى هاجر الأمة، وهذه المفارقة ستُعيد آخر المقالة إلى أولها وهي أن الفارسي ابن المقفع هو من ترجم أُمات الكتب الفارسية والآداب السلطانية ليُغذي بها مكتبة بني العباس، وليُخبر الوالي -من طرف خفي- أن إدارة الحكم الإسلامي! تتطلب حكمة العجم ونظمهم الإدارية.

التفاتة:

غضب المسؤولون -في الجمهورية الإسلامية الإيرانية- لما هُددوا بإعادتهم إلى العصور الحجرية، فقالوا: نُذكر العالم أن الحضارة الفارسية تمتد لآلاف السنين، وأن الإيرانيين كتبوا حقوق الإنسان على أسطوانة كورش. هذا الرد الإيراني كأنه مساجلة مع ابن دريد حين قال: المسلم الذي يرى نفسه وريثا لحضارة قديمة لن يفهم معنى الشعب بالمفهوم الإسلامي/العربي.