بلغ التوتر أوجه في الساعات الأخيرة للهدنة التي عقدت بين أمريكا وإيران وانتهت حسب إعلانها الأول منتصف ليل الأربعاء الفائت (قبل أن يتم تمديدها بقرار من ترمب)، خصوصا مع تأخر جولة المفاوضات الثانية التي كان يفترض أن تعقد الثلاثاء في إسلام آباد، حيث تلعب باكستان دور الوسيط الذي استضاف الجولة الأولى من المفاوضات التي أجهضت ولم تسفر عن كثير، بل تبعها تصعيد شديد عادت إيران خلاله إلى إغلاق مضيق هرمز في لعبة ضغط أرادت ممارستها على العالم أجمع بما يجعله يضغط على أمريكا ويجبرها على التنازل عن السقف المرتفع لشروطها لعقد صفقة اتفاق مع طهران، لكن واشنطن لعبت لعبة إستراتيجية كانت ذات أثر أشد حيث فرضت حصارا بحريا في المضيق نفسه، قيد حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، بل واعتبرت أن السفن الإيرانية ستبقى رهنا للسيطرة والتحقق الأمريكي حتى لو كانت في المياه الدولية.
انقلاب السلاح
عندما أغلقت إيران مضيق هرمز نهاية فبراير الماضي، راهن صناع القرار في طهران على أنهم رموا أقوى ورقة في جعبتهم الجيوسياسية، واعتبروا المضيق بديلا للسلاح النووي. فالممر المائي الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية ليس مجرد شريان حياة للاقتصاد العالمي، بل هو أيضا «الرعب الإستراتيجي» الذي طالما لوحت به إيران لردع خصومها. لكن بعد أسابيع من الحرب والمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بدأت ملامح مفارقة كبرى تتكشف: ما كان يعتبر سلاحا إيرانيا خارقا، تحول تدريجيا إلى فخ إستراتيجي يهدد بنسف ما تبقى من قدرات طهران ونفوذها، ويدمر صناعة وآبار النفط الإيرانية للأبد. فكيف تحولت ورقة الضغط الأقوى إلى نقطة ضعف قاتلة؟
الفخ الخفي
المفارقة التي غفل عنها كثيرون أن إغلاق مضيق هرمز، بدلا من أن يعزل إيران عن الضغوط الخارجية، حقق العكس تماما. فالدول التي كانت على خلاف سياسي وإستراتيجي، وجدت نفسها فجأة في خندق واحد لمواجهة التهديد ذاته. فأوروبا التي كانت ضد الحرب ورفضت المشاركة فيها رأت في خطوة إغلاق المضيق تضييقا وتهديدا لاقتصاد العالم، والولايات المتحدة وإسرائيل، رغم التوترات السابقة حول الملف النووي، طورتا خططا عملياتية مشتركة لاستهداف البنى التحتية الإيرانية. حتى الصين والهند، أكبر مستوردي النفط من إيران، تعرضتا لضغوط هائلة من ارتفاع الأسعار، مما دفع بكين إلى ممارسة ضغوط خفية على طهران.
هذا التوحد الدولي هو الفخ الحقيقي الذي وقعت فيه إيران. فبدلا من أن تشطر العالم إلى معسكرين، أوقعت طهران نفسها في مواجهة إجماع دولي غير مسبوق.
القوة المعاكسة
في النظرية الإستراتيجية، هناك مفهوم يعرف بـ«القوة المعاكسة»، أي القدرة التي تعمل ضد صاحبها كلما زاد استخدامها. هرمز، بالنسبة لإيران، هو تجسيد حي لهذا المفهوم. فعندما أغلقت طهران المضيق بقوة، زادت عزلتها الدبلوماسية، وارتفع سقف المطالب الأمريكية، وتآكل الدعم الروسي والصيني الذي كانت تراهن عليه إيران.
ولعل أبرز دليل على ذلك هو أن موسكو وبكين، رغم معارضتهما العلنية للعقوبات الأمريكية، لم تقدما أي دعم فعلي لطهران في مواجهة الإغلاق.
الحصار يدمر آبار النفط للأبد
في أقل من 36 ساعة من بدء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، تحول الشريان الاقتصادي الوحيد لطهران إلى طريق مسدود. وأشارت التقديرات الاقتصادية إلى خسارة إيران ما لا يقل عن 400 مليون دولار يوميا من عائدات النفط المتوقفة بسبب الحصار الأمريكي لها عبر هرمز.
ولا يكمن الخطر في توقف تصدير النفط فقط، حيث تمر 95% من صادرات إيران النفطية عبر المضيق من محطة خارك الوحيدة. ومع امتلاء سعة التخزين البرية البالغة 55 مليون برميل خلال أسابيع، سيكون على طهران إغلاق آبارها قسرا، وهذا ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل كارثة جيولوجية دائمة. في الحقول الناضبة، يؤدي توقف الضخ إلى تسرب المياه إلى التكوينات الصخرية (Water Coning)، مما يحبس النفط المتبقي للأبد، وبالتالي حذر خبراء من أن هذه العملية قد تدمر بشكل دائم طاقة إنتاجية تصل إلى 500 ألف برميل يوميا، وهي خسارة بمليارات الدولارات سنويا لا يمكن استعادتها حتى مع رفع الحصار.
شلل داخلي
بالتوازي، تواجه صناعة التكرير الإيرانية شللا داخليا. فرغم الميليشيات والجيوش الإلكترونية والمسيرات والصواريخ، لا تستطيع طهران إنتاج ما يكفي من البنزين لمواطنيها، حيث تستورد إيران ما قيمته ملياري دولار سنويا لسد العجز من البنزين. مع الحصار، تنقطع هذه الإمدادات الحيوية بينما لا يتجاوز المخزون الإستراتيجي الإيراني 12 يوما فقط من الاستهلاك المحلي، ويعني هذا توقف النقل والطاقة.
مخاطر محتملة
ما يزيد من مخاطرة إغلاق إيران لمضيق هرمز أنها تعرض نفسها لعدد من الخيارات، ومنها لجوء واشنطن إلى كسر الإغلاق بالقوة العسكرية، عبر عمليات تمشيط بحرية وضربات جوية تستهدف الزوارق الإيرانية السريعة. وفي هذه الحالة، تفقد إيران ورقة هرمز إلى الأبد، وتخرج من الأزمة أضعف مما دخلتها.
في المقابل، شدد خبراء على أن أنسب خيار يمكن لطهران اتباعه هو التنازل الطوعي عن إغلاق هرمز، مع الحصول على تنازلات مقابلة وكبيرة من أمريكا، مثل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف ببعض الحقوق النووية. بحيث تحول الفخ إلى «صفقة».
أما الخيار الثالث فهو رهان طهران على الجمود المطول الذي قد يحول هرمز إلى «مستنقع» يستنزف الجميع، وأولهم وأشدهم تأثرا هو إيران نفسها، التي تعتمد على صادرات النفط لتمويل اقتصادها المنهار أصلا.
أبرز المستجدات في الحرب
ـ التوتر بلغ ذروته في المنطقة والعالم مع الساعات الأخيرة لانتهاء الهدنة المعلنة بين أمريكا وإيران
ـ عدم انعقاد المفاوضات في وقتها المحدد زاد من التوترات والقلق العالمي
ـ إيران مارست لعبة الضغط بإغلاق هرمز وأمريكا ردت بحصار الموانئ والسفن الإيرانية
ـ تقديرات تشير إلى أن حصار أمريكا البحري كلف إيران 400 مليون دولار يوميا
ـ هرمز تحول من سلاح بيد إيران إلى وبال عليها.
انقلاب السلاح
عندما أغلقت إيران مضيق هرمز نهاية فبراير الماضي، راهن صناع القرار في طهران على أنهم رموا أقوى ورقة في جعبتهم الجيوسياسية، واعتبروا المضيق بديلا للسلاح النووي. فالممر المائي الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية ليس مجرد شريان حياة للاقتصاد العالمي، بل هو أيضا «الرعب الإستراتيجي» الذي طالما لوحت به إيران لردع خصومها. لكن بعد أسابيع من الحرب والمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بدأت ملامح مفارقة كبرى تتكشف: ما كان يعتبر سلاحا إيرانيا خارقا، تحول تدريجيا إلى فخ إستراتيجي يهدد بنسف ما تبقى من قدرات طهران ونفوذها، ويدمر صناعة وآبار النفط الإيرانية للأبد. فكيف تحولت ورقة الضغط الأقوى إلى نقطة ضعف قاتلة؟
الفخ الخفي
المفارقة التي غفل عنها كثيرون أن إغلاق مضيق هرمز، بدلا من أن يعزل إيران عن الضغوط الخارجية، حقق العكس تماما. فالدول التي كانت على خلاف سياسي وإستراتيجي، وجدت نفسها فجأة في خندق واحد لمواجهة التهديد ذاته. فأوروبا التي كانت ضد الحرب ورفضت المشاركة فيها رأت في خطوة إغلاق المضيق تضييقا وتهديدا لاقتصاد العالم، والولايات المتحدة وإسرائيل، رغم التوترات السابقة حول الملف النووي، طورتا خططا عملياتية مشتركة لاستهداف البنى التحتية الإيرانية. حتى الصين والهند، أكبر مستوردي النفط من إيران، تعرضتا لضغوط هائلة من ارتفاع الأسعار، مما دفع بكين إلى ممارسة ضغوط خفية على طهران.
هذا التوحد الدولي هو الفخ الحقيقي الذي وقعت فيه إيران. فبدلا من أن تشطر العالم إلى معسكرين، أوقعت طهران نفسها في مواجهة إجماع دولي غير مسبوق.
القوة المعاكسة
في النظرية الإستراتيجية، هناك مفهوم يعرف بـ«القوة المعاكسة»، أي القدرة التي تعمل ضد صاحبها كلما زاد استخدامها. هرمز، بالنسبة لإيران، هو تجسيد حي لهذا المفهوم. فعندما أغلقت طهران المضيق بقوة، زادت عزلتها الدبلوماسية، وارتفع سقف المطالب الأمريكية، وتآكل الدعم الروسي والصيني الذي كانت تراهن عليه إيران.
ولعل أبرز دليل على ذلك هو أن موسكو وبكين، رغم معارضتهما العلنية للعقوبات الأمريكية، لم تقدما أي دعم فعلي لطهران في مواجهة الإغلاق.
الحصار يدمر آبار النفط للأبد
في أقل من 36 ساعة من بدء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، تحول الشريان الاقتصادي الوحيد لطهران إلى طريق مسدود. وأشارت التقديرات الاقتصادية إلى خسارة إيران ما لا يقل عن 400 مليون دولار يوميا من عائدات النفط المتوقفة بسبب الحصار الأمريكي لها عبر هرمز.
ولا يكمن الخطر في توقف تصدير النفط فقط، حيث تمر 95% من صادرات إيران النفطية عبر المضيق من محطة خارك الوحيدة. ومع امتلاء سعة التخزين البرية البالغة 55 مليون برميل خلال أسابيع، سيكون على طهران إغلاق آبارها قسرا، وهذا ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل كارثة جيولوجية دائمة. في الحقول الناضبة، يؤدي توقف الضخ إلى تسرب المياه إلى التكوينات الصخرية (Water Coning)، مما يحبس النفط المتبقي للأبد، وبالتالي حذر خبراء من أن هذه العملية قد تدمر بشكل دائم طاقة إنتاجية تصل إلى 500 ألف برميل يوميا، وهي خسارة بمليارات الدولارات سنويا لا يمكن استعادتها حتى مع رفع الحصار.
شلل داخلي
بالتوازي، تواجه صناعة التكرير الإيرانية شللا داخليا. فرغم الميليشيات والجيوش الإلكترونية والمسيرات والصواريخ، لا تستطيع طهران إنتاج ما يكفي من البنزين لمواطنيها، حيث تستورد إيران ما قيمته ملياري دولار سنويا لسد العجز من البنزين. مع الحصار، تنقطع هذه الإمدادات الحيوية بينما لا يتجاوز المخزون الإستراتيجي الإيراني 12 يوما فقط من الاستهلاك المحلي، ويعني هذا توقف النقل والطاقة.
مخاطر محتملة
ما يزيد من مخاطرة إغلاق إيران لمضيق هرمز أنها تعرض نفسها لعدد من الخيارات، ومنها لجوء واشنطن إلى كسر الإغلاق بالقوة العسكرية، عبر عمليات تمشيط بحرية وضربات جوية تستهدف الزوارق الإيرانية السريعة. وفي هذه الحالة، تفقد إيران ورقة هرمز إلى الأبد، وتخرج من الأزمة أضعف مما دخلتها.
في المقابل، شدد خبراء على أن أنسب خيار يمكن لطهران اتباعه هو التنازل الطوعي عن إغلاق هرمز، مع الحصول على تنازلات مقابلة وكبيرة من أمريكا، مثل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف ببعض الحقوق النووية. بحيث تحول الفخ إلى «صفقة».
أما الخيار الثالث فهو رهان طهران على الجمود المطول الذي قد يحول هرمز إلى «مستنقع» يستنزف الجميع، وأولهم وأشدهم تأثرا هو إيران نفسها، التي تعتمد على صادرات النفط لتمويل اقتصادها المنهار أصلا.
أبرز المستجدات في الحرب
ـ التوتر بلغ ذروته في المنطقة والعالم مع الساعات الأخيرة لانتهاء الهدنة المعلنة بين أمريكا وإيران
ـ عدم انعقاد المفاوضات في وقتها المحدد زاد من التوترات والقلق العالمي
ـ إيران مارست لعبة الضغط بإغلاق هرمز وأمريكا ردت بحصار الموانئ والسفن الإيرانية
ـ تقديرات تشير إلى أن حصار أمريكا البحري كلف إيران 400 مليون دولار يوميا
ـ هرمز تحول من سلاح بيد إيران إلى وبال عليها.