عبدالرحمن محمد ضامري

في بيئات العمل المعاصرة، لا يظهر الخلل دائما في غياب القرارات، بل في الطريقة التي تُفهم بها وتُمارس على أرض الواقع. فثمة اعتقاد يتسلل بهدوء إلى بعض العقول المهنية مفاده أن من يمتلك الأدوات معرفة، أو نفوذا، أو قدرة على التنفيذ، أو تحكما في الموارد، لم يعد معنيا بالقرار، بل أصبح قادرا على تجاوزه أو إعادة تشكيله وفق ما يراه مناسبا لمصلحته أو لرؤيته الخاصة.

ويبدو هذا التصور في ظاهره امتدادا طبيعيا للقوة، لكنه في حقيقته يكشف خللا عميقا في فهم العلاقة بين القدرة والانضباط، وبين الوسيلة والغاية، وبين الصلاحية والمسؤولية. فالأدوات، مهما بلغت دقتها أو تنوعت أشكالها، لا تُغني عن القرار، بل تستمد قيمتها من ارتباطها به وخضوعها لإطاره. وحين تنفصل عنه، تتحول من وسيلة للتنفيذ إلى أداة للالتفاف، ومن عنصر داعم للنظام إلى مصدر خفي لإضعافه.

في المؤسسات غير الناضجة، لا تواجه القرارات بالاعتراض الصريح، بل تفرغ من مضمونها تدريجيا وبهدوء. يعاد تفسيرها بما يخدم المصالح، أو تنفذ شكليا بينما تدار نتائجها في اتجاه آخر. وقد يبدو كل شيء من الخارج منظما ومتوافقا مع الإجراءات، لكن المعنى الحقيقي للقرار يكون قد تآكل من الداخل. لا أحد يعلن التمرد، إلا أن القرار يفقد روحه، ويصبح وجوده شكليا أكثر من كونه فاعلا.

وليس الخلل في النص ذاته، ولا في صياغة القرار، بل في غياب الضمير الذي يربط بين القرار وغايته، وبين السلطة ومسؤوليتها. فالقرار يفقد معناه حين يلتزم بشكله ويتجاهل الظروف الإنسانية التي وجد لتحقيق العدالة فيها. وحين تقدم الإجراءات على مقاصدها، تتحول الأنظمة من وسيلة للإنصاف إلى جدار يحجب روح العدالة بدلا من أن يحميها.

أما المؤسسات الراسخة فتقدم نموذجا مختلفا تماما. فكلما ازدادت الأدوات في يد القائد أو الموظف، ازداد وعيه بحدودها وبمسؤوليته تجاهها. يدرك أن القرار ليس قيدا على الحركة، بل إطار ينظمها ويحفظ توازنها، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على تجاوز النظام، بل في القدرة على خدمته وتطويره دون الإخلال بمقاصده.

ومن هنا، فإن الفارق بين المؤسسات لا يكمن في وفرة الأدوات أو محدوديتها، بل في طريقة توظيفها. ففي بيئة تستخدم الأدوات لتجاوز القرار، وفي أخرى تستخدم لتطويره. وفي الأولى تتضخم المصالح الفردية، بينما في الثانية تتعزز الثقة المؤسسية ويترسخ الشعور بالعدالة.

القائد الحقيقي لا يقاس بمدى ما يملكه من صلاحيات، بل بقدرته على استخدامها دون أن يختل ميزان العدالة. لأنه يدرك أن القرار الإداري ليس مجرد توجيه تنظيمي، بل انعكاس لمنظومة قيم تحكم المؤسسة وتحدد اتجاهها. فإذا انفصلت الأدوات عن هذه القيم، تحولت إلى كفاءة بلا بوصلة، وإلى إتقان قد يحسن التنفيذ، لكنه يسيء الأثر ويشوه الغاية.

وأخطر ما قد تواجهه المؤسسات ليس غياب القرارات، بل وجود أدوات تعمل خارج معناها. فالخلل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتراكم بصمت حتى تصبح القرارات شكلا، وتتحول الأدوات إلى سلطة غير مرئية تؤثر في الاتجاه دون أن تخضع للمساءلة.

في النهاية، ليست المسألة من يملك الأدوات، ولا من يصدر القرار، بل من يعي العلاقة بينهما، ويدرك أن القيمة الحقيقية للقرار لا تتحقق في شكله وحده، بل في قدرته على إظهار العدل وتجسيد القيم ومراعاة البعد الإنساني الذي وجدت الأنظمة لخدمته. لأن من يجهل هذه العلاقة قد يظن أنه تجاوز النظام، بينما هو، في الحقيقة، أول من هدمه بصمت.