عبدربه الطهيفي

الإنسان كائن مؤمن بطبعه، ودائما ما يؤمن بشيء ما ورائي يتجاوز حدود المادة التي يراها ويلمسها. لأنه، شاء أم أبى، أكثر من مجرد مادة، وأعز ما يملكه ليس ماديا؛ فهو حي، والحياة ليست مادة، وهو واع عاقل، والوعي والعقل لا يمكن اختزالهما في التفسير المادي. وهذه النزعة نحو الميتافيزيقا متجذرة في حياة البشر، مهما تعرضت للتشويش أو القمع السلطوي، وتتجلى في مختلف مراحل التاريخ البشري، وفي جميع الثقافات، بأسماء وأشكال متعددة. وحتى في أكثر العصور مادية، مثل عصرنا الحاضر، يظل الإنسان يبحث عن بدائل ما ورائية يروي بها عطشه الفطري. لأن في وجدان الإنسان فراغا لا يملؤه إلا الإيمان، أو ما يُعرف بـ«ثقب الإله»، كما يُنسب إلى الفيلسوف بليز باسكال. ومن الأمثلة على ذلك، وهي كثيرة جدا بين جميع شرائح المجتمع، من السياسيين مثلا الرئيس الفرنسي المثقف الكبير والعلماني فرانسوا ميتران واستعانته بالعرافين، رغم كونه رئيسا لإحدى أكثر الدول علمانية في العالم. ومن رجال الأعمال، ستيف جوبز، العبقري الذي غيّر وجه العالم، لكنه اتجه إلى التأمل والروحانيات والعلاجات بهذه الطرق قبل أن يفارق الحياة مبكرا في عمر 56 عاما. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها المقام إنما من الغرائب، وهي موضوع نقاش هذا المقال، دراسة نشرها مركز الأبحاث بيو الشهير حول حركة العصر الجديد، أظهرت الدراسة أن 22% من الملحدين يؤمنون، على الأقل، بواحد من المعتقدات المرتبطة بحركة العصر الجديد، مثل التنجيم، والتناسخ، والطاقة الروحية، والعرافة. وهذه من العجائب التي تستحق الوقوف عندها كثيرا. صحيح أن نسبة كبيرة من أتباع جميع الأديان تؤمن بأشياء من هذا النوع، لكن وجود ملحدين يؤمنون بها وبهذه النسبة الكبيرة، أمر عجيب. وهذه الحركة، على الرغم أن لها جذورا قديمة، إلا أنها بنسختها المعاصرة انتشرت بصورة سريعة وواسعة، وبطريقة لا تثير الحساسية المعتادة تجاه الدين لدى التيار المادي، رغم أنها تؤدي، بشكل أو بآخر، وظيفة دينية، حتى وإن قدمت نفسها في قالب غير ديني. وسبب تصالحها مع التيار المادي موضوع يحتاج بحثا مستقلا ومطولا. إنما اليوم أصبحت أفكار هذه الحركة من أكثر المواد انتشارا في العالم خلال العقود الأخيرة، تحت أسماء مثل قانون الجذب، والعلاج بالريكي، والطاقة الإيجابية، وغيرها. وتروج هذه الأفكار عبر الكتب والمحاضرات والدورات، ويقبل عليها عشرات الملايين من الباحثين عن شيء يروي رغبتهم الميتافيزيقية، أو يمنحهم تفسيرا مريحا لعالم أصبح شديد المادية، أو من اليائسين الذين يبحثون عن الدواء، والثراء، والسعادة التي لم يجدوها في أماكن أخرى. والدين الجديد، أو حركة العصر الجديد، لا تختلف كثيرا عن باقي الأديان القديمة من عدة أوجه، وإن حاول أن يقدم نفسه بصورة مختلفة أو تحت عناوين علمية وحداثية. ففي هذا المعتقد جرى استبدال الدعاء بقانون الجذب، والبركة بالطاقة الروحية، والكهنة بالمدربين الروحيين، والطقوس والعبادات بالتأملات والجلسات، والخلاص باكتشاف الذات، والأرواح بالذبذبات والطاقة، مع أنهم، في كثير من أدبياتهم، يُبقون الروح حاضرة، ولكن بصيغة تتوافق مع سياق اعتقادهم الوحدوي. بل حتى الاتجار بالدين والارتزاق منه لم يغب عن هذا الدين الجديد، إذ بنى كثير من أعلامه ثروات ضخمة من أموال المريدين عبر الدورات، والكتب، والمواد المرئية، والجلسات المدفوعة، التي تُباع للناس بوصفها طريقا للسعادة، أو الشفاء، أو النجاح، أو جذب الثروة. وربما كان الفرق الأبرز بين هذه الحركة والأديان أنها لا تطلب من الإنسان تكاليف أخلاقية أو التزامات صارمة، ولا قائمة من «افعل ولا تفعل» كما هو الحال في الأديان، وهذا قد يكون مما يجعلها أكثر جاذبية للإنسان المعاصر. كما أن هذه الحركة لا تخلو من العلوم الزائفة، وتستخدم مصطلحات تبدو علمية، مثل كلمة «قانون» مع الجذب، و«طاقة» مع الإيجابية، وهي في حقيقتها ألفاظ لا تستند إلى أساس علمي حقيقي. فلا يمكن قياس هذه الطاقة المزعومة أو حتى رصدها، وليس في «قانون الجذب» ما يجعله قانونا بالمعنى العلمي للكلمة، ناهيك عن حشو ميكانيكا الكم في أحاديثهم، وهو علم يحب كثير من أصحاب العلوم الزائفة الاختباء خلفه. وجدير بالذكر، أن هذه الحركة، مثلها مثل أي دين أو فكرة أخرى، توجد فيها مذاهب وتيارات متعددة؛ منها التيارات المتطرفة في الفكرة، ومنها التيارات المتهاونة. كما ظهر دعاة داخل بعض الأديان الكبرى يحاولون إيجاد توافق بين معتقدات حركة العصر الجديد والدين الذي ينتمي إليه، عبر إعادة تفسير بعض المفاهيم الدينية بلغة الطاقة، والذبذبات، والتنمية الروحية والجذب. واليوم في العالم العربي هناك كثير من الدعاة لهذه الأفكار إنما جلهم يغلفها في أغلفة إسلامية بحسن نية أو لتفادي ردود الأفعال ثم لاحقا ظهر باحثون عرب كثر ينقدون هذه الأفكار. وهذا وبغض النظر عن أي شي آخر قد يخلق حراكا فكريا يزيد من وعي المجتمع ويصقل فكره بحيث يميز ما هو علمي مما هو زائف. نافذة: ظهر دعاة داخل الأديان الكبرى يحاولون إيجاد توافق بين معتقدات العصر الجديد والدين الذي ينتمي إليه، عبر إعادة تفسير بعض المفاهيم الدينية بلغة الطاقة، والذبذبات.