تحافظ دول مجلس التعاون الخليجي على سياسة ثابتة في موقفها من الحرب على إيران. رفضتها انطلاقاً من هاجس الأمن والاستقرار الإقليميين، ودعت إلى وقفها، ثم دعمت التفاوض على إنهائها.
وخلال الحرب دانت هذه الدول الاعتداءات التي تعرضت لها، وكان مصدرها إيران أو فصائل عراقية مسلحة موالية لها، متمسّكة بحقها الطبيعي والقانوني في الدفاع عن شعوبها، وعن سيادتها وأراضيها. كما رفضت ادعاءات طهران بأنها تردّ على هجمات الولايات المتحدة باستهداف قواعدها في منطقة الخليج، بعدما اتضح أنها تعمّدت ضرب مناطق ومواقع مدنية، بينها مطارات وفنادق وأحياء سكنية، بل لوحظ أن تلك الهجمات فاقت عدداً، وحتى نوعاً، ما وُجّه منها ضد إسرائيل التي كانت طائراتها تصول وتجول في أجواء إيران، وفوق كل مناطقها.
لكن العواصم الخليجية المستهدفة انتقلت شيئاً فشيئاً من رصد الاعتداءات بالصواريخ والمسيّرات إلى إعلان «التعامل معها»، أي التصدّي لها، وإحباطها بقواها الذاتية، فتأكدت طهران من أن تحوّلاً في دفاعات الجوار الخليجي قد حصل. لم يكن تحوّلاً مفاجئاً أو ناتجاً عن تسلّحٍ طارئٍ، بل عكس قراراً سياسياً إستراتيجياً. كانت طهران طلبت من جيرانها التدخل لدى واشنطن لتجنّب الحرب، وقد فعلوا، إدراكاً منهم التداعيات المتوقعة للحرب، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، لكن واشنطن كانت اتخذت قرارها.
لم تأخذ طهران في الاعتبار الجهود التي بذلتها دول الخليج، ثم كشفت اعتداءاتها نياتٍ أبعد من مجرد الردّ على أمريكا وقواعدها في الخليج.
لم تخفِ ممارسات إيران دوافع وأحقاداً لطالما كانت معروفة، إلا أن جيرانها التزموا «ضبط النفس»، ولم ينساقوا الى «الخطأ التاريخي» الذي ارتكبته. لم تعلّق الرياض ولا أبوظبي على أنباء في صحف أمريكية وبريطانية مفادها أنهما هاجمتا أهدافاً سواء في إيران أو ضد فصائلها العراقية. لكن، بعيداً عن النفي أو التأكيد، أصبح متوقّعاً ألا تبقى ردود الأفعال الخليجية كما كانت في حال استؤنفت الحرب، وعاودت إيران اعتداءاتها، كما فعلت حتى خلال فترة وقف إطلاق النار.
استندت السياسة الخليجية إلى ثوابت، منها أنها لم تسعَ إلى هذه الحرب، ولم ترد أن تكون شريكةً فيها، ولم تحرّض عليها، ولا تحبذ استمرارها أو إطالتها، لكن مؤشرات ووقائع عديدة باتت تحتّم على دول الخليج «الدفاع عن النفس»، وإظهار القدرة على الردع بمعزلٍ عن «الأهداف» التي تريد أمريكا وإسرائيل تحقيقها.
كان الاجتماع الطارئ أخيراً لوزراء الداخلية الخليجيين من تلك المؤشّرات المهمة، إذ شدّد على مضاعفة التنسيق الأمني بين دول مجلس التعاون، خصوصاً أن أجهزتها المعنية أثبتت فاعلية في كشف شبكات وخلايا مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني». فالهدف واضح، وهو اختراق أمن دول الخليج، وإحداث اضطرابات فيها بالتزامن مع الاعتداءات عليها. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت الكويت (12.05.2026) كشف تسلل عناصر تابعة لـ«الحرس» إلى جزيرة بوبيان، والبحرين (في 09.05) تفكيك شبكة تخريب واعتقال 41 مشتبهاً به، وسبق ذلك ضبط خليتين في قطر (مطلع مارس)، وكشف الإمارات (خلال مارس وأبريل) «تنظيمين إرهابيين» يرتبط أحدهما بـ«الحرس»، والآخر بـ«حزب الله» اللبناني. ولفت مدير مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، الدكتور سلطان النعيمي، إلى ظهور أكثر من 12 خلية إيرانية خلال 27 يوماً فحسب، وقال إنها «ليست حدثاً طارئاً أو آنياً معزولاً، بل كانت خلايا معدّة سلفاً ومدربة لساعة الصفر» حين ينضج الظرف لانتقالها إلى حال الفاعلية الميدانية.
ومن المؤشرات الأخرى، التي تحفّز دول الخليج على مراجعة عامة لسياساتها الدفاعية أو الاقتصادية، إصرار إيران على إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع مفاوضات يُفترض أن تُنهي الحرب.
ويعيد هذا الإغلاق الى الأذهان إجراءات كان قادة إيرانيون، بينهم قاسم سليماني، لوّحوا بها من قبيل «معاقبة» دول الخليج المنتجة للنفط أسوة بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. لكن هذا الإجراء، الذي قوبل بحصار أمريكي، بات يرمي إلى ترسيخ التحكّم الإيراني بالمنطقة، وليس فقط بهذا الممر المائي الدولي، بل إن طهران تعلن تباعاً «قوانين» لإدارة المضيق، وفرض رسوم عبور على السفن، متجاهلةً أنها بذلك تعبث بعلاقاتها مع المنطقة والعالم مقدار ما تعقّد المفاوضات، وترجئ إنهاء الحرب.
لذلك تدرس السعودية والإمارات خيارات قابلة للتنفيذ بمعزلٍ عن مضيق هرمز، سواء بتصدير النفط عبر البحر الأحمر أو بأنابيب وصولاً الى خليج عُمان.
الغالب في توقعات واشنطن، كما في «تمنيات» إسرائيل، أن الحرب عائدة، وإنْ لم يكن مؤكّداً ما يمكن أن تحققه. لم يرشح من المحادثات الأمريكية - الصينية أي تغيير إيجابي محتمل في المفاوضات، لكن ثمة شكوكاً طارئة حول استمرار الاعتماد على الوسيط الباكستاني. ولا تزال إيران تناور للخروج «أقوى» مما كانت، أما دول الخليج فاستوعبت تجربة الحرب وتغيّرت، بل ستتغيّر أكثر.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»
وخلال الحرب دانت هذه الدول الاعتداءات التي تعرضت لها، وكان مصدرها إيران أو فصائل عراقية مسلحة موالية لها، متمسّكة بحقها الطبيعي والقانوني في الدفاع عن شعوبها، وعن سيادتها وأراضيها. كما رفضت ادعاءات طهران بأنها تردّ على هجمات الولايات المتحدة باستهداف قواعدها في منطقة الخليج، بعدما اتضح أنها تعمّدت ضرب مناطق ومواقع مدنية، بينها مطارات وفنادق وأحياء سكنية، بل لوحظ أن تلك الهجمات فاقت عدداً، وحتى نوعاً، ما وُجّه منها ضد إسرائيل التي كانت طائراتها تصول وتجول في أجواء إيران، وفوق كل مناطقها.
لكن العواصم الخليجية المستهدفة انتقلت شيئاً فشيئاً من رصد الاعتداءات بالصواريخ والمسيّرات إلى إعلان «التعامل معها»، أي التصدّي لها، وإحباطها بقواها الذاتية، فتأكدت طهران من أن تحوّلاً في دفاعات الجوار الخليجي قد حصل. لم يكن تحوّلاً مفاجئاً أو ناتجاً عن تسلّحٍ طارئٍ، بل عكس قراراً سياسياً إستراتيجياً. كانت طهران طلبت من جيرانها التدخل لدى واشنطن لتجنّب الحرب، وقد فعلوا، إدراكاً منهم التداعيات المتوقعة للحرب، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، لكن واشنطن كانت اتخذت قرارها.
لم تأخذ طهران في الاعتبار الجهود التي بذلتها دول الخليج، ثم كشفت اعتداءاتها نياتٍ أبعد من مجرد الردّ على أمريكا وقواعدها في الخليج.
لم تخفِ ممارسات إيران دوافع وأحقاداً لطالما كانت معروفة، إلا أن جيرانها التزموا «ضبط النفس»، ولم ينساقوا الى «الخطأ التاريخي» الذي ارتكبته. لم تعلّق الرياض ولا أبوظبي على أنباء في صحف أمريكية وبريطانية مفادها أنهما هاجمتا أهدافاً سواء في إيران أو ضد فصائلها العراقية. لكن، بعيداً عن النفي أو التأكيد، أصبح متوقّعاً ألا تبقى ردود الأفعال الخليجية كما كانت في حال استؤنفت الحرب، وعاودت إيران اعتداءاتها، كما فعلت حتى خلال فترة وقف إطلاق النار.
استندت السياسة الخليجية إلى ثوابت، منها أنها لم تسعَ إلى هذه الحرب، ولم ترد أن تكون شريكةً فيها، ولم تحرّض عليها، ولا تحبذ استمرارها أو إطالتها، لكن مؤشرات ووقائع عديدة باتت تحتّم على دول الخليج «الدفاع عن النفس»، وإظهار القدرة على الردع بمعزلٍ عن «الأهداف» التي تريد أمريكا وإسرائيل تحقيقها.
كان الاجتماع الطارئ أخيراً لوزراء الداخلية الخليجيين من تلك المؤشّرات المهمة، إذ شدّد على مضاعفة التنسيق الأمني بين دول مجلس التعاون، خصوصاً أن أجهزتها المعنية أثبتت فاعلية في كشف شبكات وخلايا مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني». فالهدف واضح، وهو اختراق أمن دول الخليج، وإحداث اضطرابات فيها بالتزامن مع الاعتداءات عليها. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت الكويت (12.05.2026) كشف تسلل عناصر تابعة لـ«الحرس» إلى جزيرة بوبيان، والبحرين (في 09.05) تفكيك شبكة تخريب واعتقال 41 مشتبهاً به، وسبق ذلك ضبط خليتين في قطر (مطلع مارس)، وكشف الإمارات (خلال مارس وأبريل) «تنظيمين إرهابيين» يرتبط أحدهما بـ«الحرس»، والآخر بـ«حزب الله» اللبناني. ولفت مدير مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، الدكتور سلطان النعيمي، إلى ظهور أكثر من 12 خلية إيرانية خلال 27 يوماً فحسب، وقال إنها «ليست حدثاً طارئاً أو آنياً معزولاً، بل كانت خلايا معدّة سلفاً ومدربة لساعة الصفر» حين ينضج الظرف لانتقالها إلى حال الفاعلية الميدانية.
ومن المؤشرات الأخرى، التي تحفّز دول الخليج على مراجعة عامة لسياساتها الدفاعية أو الاقتصادية، إصرار إيران على إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع مفاوضات يُفترض أن تُنهي الحرب.
ويعيد هذا الإغلاق الى الأذهان إجراءات كان قادة إيرانيون، بينهم قاسم سليماني، لوّحوا بها من قبيل «معاقبة» دول الخليج المنتجة للنفط أسوة بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. لكن هذا الإجراء، الذي قوبل بحصار أمريكي، بات يرمي إلى ترسيخ التحكّم الإيراني بالمنطقة، وليس فقط بهذا الممر المائي الدولي، بل إن طهران تعلن تباعاً «قوانين» لإدارة المضيق، وفرض رسوم عبور على السفن، متجاهلةً أنها بذلك تعبث بعلاقاتها مع المنطقة والعالم مقدار ما تعقّد المفاوضات، وترجئ إنهاء الحرب.
لذلك تدرس السعودية والإمارات خيارات قابلة للتنفيذ بمعزلٍ عن مضيق هرمز، سواء بتصدير النفط عبر البحر الأحمر أو بأنابيب وصولاً الى خليج عُمان.
الغالب في توقعات واشنطن، كما في «تمنيات» إسرائيل، أن الحرب عائدة، وإنْ لم يكن مؤكّداً ما يمكن أن تحققه. لم يرشح من المحادثات الأمريكية - الصينية أي تغيير إيجابي محتمل في المفاوضات، لكن ثمة شكوكاً طارئة حول استمرار الاعتماد على الوسيط الباكستاني. ولا تزال إيران تناور للخروج «أقوى» مما كانت، أما دول الخليج فاستوعبت تجربة الحرب وتغيّرت، بل ستتغيّر أكثر.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»