محمد الزموري

في زمنٍ مضى، كان الفلاسفة يطرحون أسئلة كبرى لم نعد نطرحها اليوم، وربما يعود الفضل في ذلك إلى إجاباتهم، أو على الأقل إلى محاولاتهم الجريئة للإجابة. ففي القرن السابع عشر، كان ديكارت يمضي أمسياته محاولًا أن يبرهن عقلانيًا على وجودنا. أما نحن، فإذا أحسنّا التصرف، اكتفينا بالتذمّر من هذا الوجود. «أنا أفكر إذن أنا موجود»، صيغة لو لم تكن موجودة لكان ينبغي اختراعها؛ إذ كيف يمكن أن نشك في أننا نشك في وجودنا؟ لا يمكن. فهذه اليقين ذاته دليل على أننا نقوم بفعلٍ ما، ولكي نقوم به لا بد أن نكون موجودين.

غير أن لنا نحن أيضًا أمسياتنا «المغامِرة»، وغالبًا ما نقضيها والهاتف الذكي في أيدينا. تخبرنا أحدث البيانات في أوروبا تحديدا، أنه كل شخص يمضي في المتوسط ست ساعات يوميًا على الإنترنت، منها ساعتان كاملتان على شبكات التواصل الاجتماعي. من دون هذا الامتداد الرقمي لأنفسنا، الملتصق بأجسادنا حرفيًا، لما عرفنا كيف نعيش، أي كيف نتواصل، وندرك، ونستهلك. أكثر حركة نقوم بها خلال يومنا هي ببساطة «الضغط» على الأزرار. لذا يبدو طبيعيًا أن نحدث مقولة «أنا أفكر إذن أنا موجود» إلى «أنا أضغط إذن أنا موجود».

لكن، بأي معنى يمنحنا «الضغط» مقياس وجودنا؟ في الحقيقة، الضغط وحده لا يكفي. بل أجرؤ على القول إنه– ليس ليوجدنا، بل ليجعلنا نشعر بوجودنا– لا يساوي شيئًا إن لم نحصل في المقابل على تفاعل الآخرين (إعجابات، تعليقات، مشاركات). الصيغة الأدق لوصف زمننا هي: «أنا أضغط إذن نحن موجودون». لقد احتاج الإنسان دائمًا إلى نظرة الآخر، إلى اعترافه، سلبيا كان أم إيجابيا، كي يشعر بوجوده. لكن هذه «النظرة» اليوم– وقد تحوّلت إلى «إعجاب»– أصبحت جوهرية في بناء هويته ذاتها، في تشكيل «الأنا» وطريقة وجودها.

بطبيعة الحال، وجودنا لا يتلاشى فعليًا إن لم ننشر حياتنا أو نحصل على اعتراف بها عبر الشبكات الاجتماعية؛ نظل أحياء ونشعر بأننا كذلك. لكن شيئًا ما ينقص. وهذا الشيء هو «كرامة الوجود»، لا الوجود نفسه. أن نعيش تجربة– رحلة، أو حفلة موسيقية– من دون أن نشاركها على وسائل التواصل، أصبح اليوم كأننا لم نعشها أصلًا.

أتحدث عنا جميعًا، وعن الكيفية التي تغيرت بها سلوكياتنا بفعل الاستخدام الكاسح لوسائل الإعلام الرقمية. هناك، شئنا أم أبينا، إعادة برمجة عاطفية حقيقية جارية، تحمل معها أوهامًا هائلة، توهمنا بأن فرط الاتصال الذي نتعرض له باستمرار– مع إمكانية التواصل في كل زمان ومكان– يزيد من التعاطف والمشاركة بين البشر. للأسف، ليس الأمر كذلك. ففي معظم الحالات، ومن دون وعي منا، تخضع اندفاعاتنا نحو التعاطف والمشاركة لآلية شبكات التواصل المتمركزة حول الأنا، التي تكافئنا مع كل نقرة أو أثر رقمي نتركه على الإنترنت.

نشر التهاني على حائط «صديق» افتراضي (ذكرتنا المنصة بعيد ميلاده بإشعار)، أو توقيع عريضة إلكترونية، أو إبداء رأي في حدث اليوم، لا يجعلنا أكثر إنسانية بمعنى التعاطف والمشاركة، بل يجعلنا أكثر خضوعًا (لأنا) تحتاج، كي تشعر بالحياة، إلى اعتراف علني متزايد. لقد أصبحنا أكثر نرجسية لأننا وجدنا الأداة المثالية لإظهار هذا الميل، وفي الوقت نفسه انتقصنا من نصيب جانبنا «الإنساني»، إن قصدنا به القدرة على الفهم، والتقمص، والإيثار. غير أن سحر الرقمي يكمن في أنه يقنعنا، في أعماقنا، بالعكس تمامًا.

نعم، الرقمي يغيرنا. يغير طريقة تفكيرنا، وإحساسنا، وتواصلنا، واستعلامنا، ومعرفتنا، وإرادتنا. يبدل تصوراتنا عن السعادة، والرغبة، والتحقق. يعيد برمجة وجودنا، مانحًا إيانا هوية جديدة، منقسمة ومركبة باستمرار بين «أونلاين» و«أوفلاين». لكن التغير أمر طبيعي؛ كل شيء يتغير، دومًا وباستمرار. يبقى علينا أن نستقبل هذا التغير ونقيم أثره في حياتنا. ومع ذلك، يكاد يكون من المستحيل ألا نتغير مع العالم في هذا الاتجاه الواحد الذي أسميه، على سبيل الاستفزاز، «نزع الإنسانية». فإذا سلك التاريخ طريقًا معينًا، فمن يملك القوة ليقاومه ويغير المسار وحده؟ لنسأل بشكل أكثر واقعية: من منكم يستطيع الاستغناء عن الهاتف الذكي؟ يكاد لا أحد.

لذلك فالوعي بأننا نعيش في وهم، هو السلاح الوحيد لمقاومة «نزع الإنسانية» الرقمية.