القارئ كائنٌ كسول.. متشكك.. ومغرور أيضًا.
أعتذر للجميع عن هذه البداية المزعجة لكنها واقع معظم القرَاء في هذا العصر – وأنا منهم -
يدخل المقال كما يدخل جندي غرفة مشبوه في فيلم أكشن. عينه على الباب...
وأصبعه على زر «الخروج» أي حركة مريبة.. أي بداية بطيئة.. أي جملة تشبه موضوع تعبير مدرسي.. وسيغادر فورًا دون أن يلتفت خلفه.
لهذا صار الكتّاب يتعاملون مع العنوان كما يتعامل تجار المخدرات مع «الجرعة المجانية» شيء صغير.. لكن يجب أن يصيبك بالإدمان فورًا.
العنوان اليوم أصبح «مصيدة اهتمام» يجب أن يثير فضولك. أو يخيفك. أو يجعلك تشعر أن الكاتب اكتشف السر الذي أخفاه العالم عنك منذ ولادتك. لهذا نقرأ عناوين مثل:
«ما لم يخبرك به أحد عن السعادة»
«الحقيقة القاسية التي يرفض الجميع الاعتراف بها»
«خطأ صغير دمّر حياتك دون أن تدري»
حتى لو كان المقال عن ترتيب الجوارب.
وأنت - أيها القارئ الكريم - تعرف أن هذا كله خدعة. لكن الغريب أنك تقع فيها كل مرة.
تمامًا مثل الرجل الذي يعرف أن البائع يبالغ حين يقول: «آخر قطعة يا أستاذ!» ثم يشتريها مذعورًا... وكأن العالم سينتهي إن لم يمتلكها.
الحقيقة المؤلمة أن الكاتب لم يعد ينافس الكتّاب فقط. هو ينافس الهاتف نفسه. ينافس إشعارات التطبيقات. وينافس فيديو القطط. وينافس شابًا يصرخ في الميكروفون لأنه جرّب شطيرة دجاج جديدة.
ووسط هذا السيرك... أصبح على المقال أن يقاتل من أجل البقاء.
ثم يأتي السطر الأول. وآه.. من السطر الأول. ذلك المسكين الذي يحمل فوق كتفيه مستقبل المقال كله.
في الماضي كان يمكن للكاتب أن يبدأ بهدوء: «في مساء شتوي من عام 1964...»
أما الآن... فلا بد أن يبدأ وكأنه يعلن حالة طوارئ. «حين نظر الطبيب في عيني... أدركت الحقيقة».
أي حقيقة؟ لا أحد يعرف. لكننا سنكمل القراءة مثل الحمقى حتى نكتشف.
والكاتب يعرف هذا جيدًا. يعرف أن الإنسان الحديث مشتت. متعب. محاصر بالإشعارات والرسائل والفيديوهات القصيرة. فكيف ينتزع انتباهه؟ بالهدوء؟ بالفلسفة؟ باللغة الجميلة؟
لا وقت لهذا. يجب أن يضع قنبلة في أول السطر...ثم يركض.
لهذا كان الكاتب الحقيقي مختلفًا. كان يعرف أن العنوان باب... وليس المنزل كله.
وأن السطر الأول مجرد مصافحة... أما الروح الحقيقية للنص فتأتي لاحقا...حين يشعر القارئ أن هناك إنسانًا يكتب فعلا... وليس موظف تسويق.
أحيانًا أقرأ مقالًا رائعًا يبدأ بهدوء شديد... دون ألعاب نارية...دون عبارات من نوع: «لن تصدق ما حدث!» ومع ذلك يأخذني النص من يدي بهدوء... وأكمل حتى النهاية دون أن أشعر.
هذا هو السحر الحقيقي. أما الصراخ... فأي أحد يستطيع أن يصرخ. حتى الباعة في الأسواق يفعلون ذلك ببراعة أدبية مذهلة.
في النهاية... أظن أن أعظم سطر افتتاحي في العالم... هو ذلك السطر الذي يجعلك تنسى أنك تقرأ أصلًا.
أعتذر للجميع عن هذه البداية المزعجة لكنها واقع معظم القرَاء في هذا العصر – وأنا منهم -
يدخل المقال كما يدخل جندي غرفة مشبوه في فيلم أكشن. عينه على الباب...
وأصبعه على زر «الخروج» أي حركة مريبة.. أي بداية بطيئة.. أي جملة تشبه موضوع تعبير مدرسي.. وسيغادر فورًا دون أن يلتفت خلفه.
لهذا صار الكتّاب يتعاملون مع العنوان كما يتعامل تجار المخدرات مع «الجرعة المجانية» شيء صغير.. لكن يجب أن يصيبك بالإدمان فورًا.
العنوان اليوم أصبح «مصيدة اهتمام» يجب أن يثير فضولك. أو يخيفك. أو يجعلك تشعر أن الكاتب اكتشف السر الذي أخفاه العالم عنك منذ ولادتك. لهذا نقرأ عناوين مثل:
«ما لم يخبرك به أحد عن السعادة»
«الحقيقة القاسية التي يرفض الجميع الاعتراف بها»
«خطأ صغير دمّر حياتك دون أن تدري»
حتى لو كان المقال عن ترتيب الجوارب.
وأنت - أيها القارئ الكريم - تعرف أن هذا كله خدعة. لكن الغريب أنك تقع فيها كل مرة.
تمامًا مثل الرجل الذي يعرف أن البائع يبالغ حين يقول: «آخر قطعة يا أستاذ!» ثم يشتريها مذعورًا... وكأن العالم سينتهي إن لم يمتلكها.
الحقيقة المؤلمة أن الكاتب لم يعد ينافس الكتّاب فقط. هو ينافس الهاتف نفسه. ينافس إشعارات التطبيقات. وينافس فيديو القطط. وينافس شابًا يصرخ في الميكروفون لأنه جرّب شطيرة دجاج جديدة.
ووسط هذا السيرك... أصبح على المقال أن يقاتل من أجل البقاء.
ثم يأتي السطر الأول. وآه.. من السطر الأول. ذلك المسكين الذي يحمل فوق كتفيه مستقبل المقال كله.
في الماضي كان يمكن للكاتب أن يبدأ بهدوء: «في مساء شتوي من عام 1964...»
أما الآن... فلا بد أن يبدأ وكأنه يعلن حالة طوارئ. «حين نظر الطبيب في عيني... أدركت الحقيقة».
أي حقيقة؟ لا أحد يعرف. لكننا سنكمل القراءة مثل الحمقى حتى نكتشف.
والكاتب يعرف هذا جيدًا. يعرف أن الإنسان الحديث مشتت. متعب. محاصر بالإشعارات والرسائل والفيديوهات القصيرة. فكيف ينتزع انتباهه؟ بالهدوء؟ بالفلسفة؟ باللغة الجميلة؟
لا وقت لهذا. يجب أن يضع قنبلة في أول السطر...ثم يركض.
لهذا كان الكاتب الحقيقي مختلفًا. كان يعرف أن العنوان باب... وليس المنزل كله.
وأن السطر الأول مجرد مصافحة... أما الروح الحقيقية للنص فتأتي لاحقا...حين يشعر القارئ أن هناك إنسانًا يكتب فعلا... وليس موظف تسويق.
أحيانًا أقرأ مقالًا رائعًا يبدأ بهدوء شديد... دون ألعاب نارية...دون عبارات من نوع: «لن تصدق ما حدث!» ومع ذلك يأخذني النص من يدي بهدوء... وأكمل حتى النهاية دون أن أشعر.
هذا هو السحر الحقيقي. أما الصراخ... فأي أحد يستطيع أن يصرخ. حتى الباعة في الأسواق يفعلون ذلك ببراعة أدبية مذهلة.
في النهاية... أظن أن أعظم سطر افتتاحي في العالم... هو ذلك السطر الذي يجعلك تنسى أنك تقرأ أصلًا.