فيصل بن خالد الزهراني

عجلة الزمان تدور مستحثة خطى البشر نحو غاياتهم، وفي هذا السير المتواصل تلوح في أفق المؤمن محطات ربانية غالية، هي بمنزلة واحات يستريح فيها المسافر من وعثاء الدنيا ليتزود لآخرته، وإن على رأس هذه المواسم الكبرى وأجلّها قدراً تأتي أيام عشر ذي الحجة المباركة، التي تشرق على الدنيا بأنوارها الإيمانية، حاملة معها فرصة استثنائية لترميم ما انكسر من القلوب، ومحو ما علق بالصحائف من آثار الغفلة والذنوب، في زمن تتضاعف فيه الأجور، وتتوالى فيه النفحات.

​وتتجلى منزلة هذه الأيام العظيمة في أن الله سبحانه وتعالى قد جعلها ميداناً أول للتنافس والسبق، وحفّها بعناية إلهية خاصة، ظهرت في نصوص الوحيين بشكل قاطع لا يدع مجالاً للشك في فضلها، فقد أقسم الله جل وعلا بلياليها في كتابه الكريم تنبيهاً للعباد إلى عظيم مكانتها، وسماها «الأيام المعلومات» التي يذكر فيها اسمه ثناءً وتعظيماً، وجاء البيان النبوي الشريف ليرفع من شأن العمل الصالح فيها إلى ذروة لم تبلغها أيام أخرى من العام، فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أحب الأيام إلى الله على الإطلاق، وأن التقرب إلى الله فيها بالصلاة أو الصدقة أو الذكر يفوق في أجره وثوابه ومكانته حتى الجهاد في سبيل الله، إلا في تلك الحالة النادرة لرجل خرج بنفسه وماله مجازفاً ومضحياً بكل ما يملك، فلم يرجع من ذلك بشيء، مما يؤكد أن الدقائق والساعات في هذه العشر هي أنفس ما يمكن أن يمتلكه المسلم في حياته.

​وإن السر الذي يمنح عشر ذي الحجة هذه الميزة الفريدة، وهذا التفضيل المطلق، يعود إلى اجتماع أصول العبادات وأمهات الطاعات الكبرى فيها دون غيرها من أوقات العام، فهي الوعاء الزمني الوحيد الذي تلتقي فيه فرائض الإسلام الكبرى في تلاحم إيماني مهيب، حيث تُقام الصلاة، ويُشرع الصيام والصدقة، وتتفرد بوجود شعيرة الحج العظمى، وتلبية وفود الرحمن بالطواف بالبيت العتيق، فضلاً عن احتوائها على يوم عرفة المشهود، يوم المغفرة العامة والعتق من النيران الذي يباهي الله فيه ملائكته بأهل الموقف، ويتلوه مباشرة يوم النحر الذي هو أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى، وفيه تراق دماء الأضاحي طاعة وتوحيداً، وكل هذه الخصائص تجعل من هذه الأيام مضماراً حقيقياً تشرئب إليه أعناق المخلصين، ويتنافس فيه المشمرون.

​ولكي يحقق العبد الفوز في ميادين هذا السبق الإيماني، فإن الأمر يتطلب استعداداً قلبياً وعملياً صادقاً يبدأ بإعلان التوبة النصوح، والإقلاع التام عن المخالفات، ورد المظالم إلى أهلها، ليدخل هذا المضمار بقلب نقي مستعد لتلقي العطايا الربانية، ومن ثم يبدأ العمل الدؤوب بلهج اللسان بذكر الله تكبيراً وتحميداً وتهليلاً في كل وقت وحين، لتتحول البيوت والمساجد إلى ساحات تضج بالتعظيم والتوحيد، والحرص على صيام أيامها التسعة الأولى، ولا سيما يوم عرفة الذي يكفر صومه ذنوب سنتين، والتبكير إلى الصلوات المكتوبة، والإكثار من النوافل كقيام الليل وقراءة القرآن وبسط اليد بالصدقات والإحسان إلى الناس وصلة الأرحام، ليأتي مسك الختام بتقديم الأضحية يوم العيد تعظيماً لشعائر الله، وطيب نفس برضاه، فالسعيد حقاً من عرف قدر هذه العشر، فاغتنم لحظاتها الثمينة ليخرج منها فائزاً بمغفرة الله ورضوانه، نائياً بنفسه عن الشقاء في الدنيا والآخرة.