جدة: نجلاء الحربي

في عالم أصبحت فيه الصورة الرقمية جزءًا من الهوية الشخصية والاجتماعية، لم تعد مظاهر الرفاهية حكرًا على الأثرياء أو المشاهير، بل تحولت إلى «منتج مؤقت» يمكن استئجاره لساعات قليلة، بهدف تصدير صورة أكثر فخامة على منصات التواصل الاجتماعي.

ومع تصاعد ثقافة الاستعراض الرقمي، برزت ظاهرة جديدة تُعرف بـ«الوجاهة الاجتماعية بالإيجار»، حيث يتجه بعض الأفراد إلى استئجار سيارات فارهة، وارتداء ساعات ثمينة، وحمل حقائب تحمل علامات ماركات عالمية، بل وحتى مواقع تصوير راقية، وطائرات خاصة؛ لصناعة محتوى يوحي بحياة مترفة قد لا تعكس واقعهم الحقيقي.

ويركز كثير من هؤلاء على إظهار نمط حياة مترف، وذلك لأسباب إستراتيجية ونفسية وتسويقية متعددة، بهدف وضع أنفسهم في مكانة فيما يسمى بـ«اقتصاد المبدعين» الذي تشير التقديرات إلى أن حجمه فاق الـ100 مليار دولار.

تمدد تدريجي

يرى مختصون في الشأن الأسري أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على مشاهير الإنترنت أو صنّاع المحتوى، بل بدأت تتمدد تدريجيًا إلى شرائح مختلفة من الشباب، مدفوعة بالرغبة في صناعة صورة مثالية أمام الجمهور الرقمي. فالصورة التي تُلتقط خلال دقائق أمام سيارة رياضية أو داخل مقهى فاخر تمنح صاحبها مظهرًا يترك انطباعًا بالنجاح والثراء، حتى وإن كانت تلك التفاصيل مجرد تجربة مؤقتة تنتهي بانتهاء جلسة التصوير.

ويؤكدون أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل مفهوم المكانة الاجتماعية، حيث باتت القيمة لدى البعض تُقاس بما يُعرض بصريًا أكثر مما تُقاس بالإنجازات الواقعية أو الاستقرار المالي الحقيقي.

ومع كثافة المحتوى الذي يستعرض السفر والرفاهية والمقتنيات الفاخرة، أصبح كثير من المستخدمين يعيشون تحت ضغط دائم للحفاظ على صورة مثالية تجنبهم المقارنات أو الشعور بالنقص أمام الآخرين.

تحوّل واضح

يوضح المختص الاجتماعي عبدالرحمن الحارث أن «الوجاهة الاجتماعية بالإيجار» تعكس تحولًا واضحًا في نظرة بعض الأفراد إلى أنفسهم، وإلى مكانتهم داخل المجتمع.

ويشير إلى أن «المنصات الرقمية خلقت بيئة تعتمد بشكل كبير على الانطباعات السريعة والمظاهر البصرية».

وأضاف أن «بعض الشباب أصبحوا يربطون قيمتهم الشخصية بحجم التفاعل الذي يحصلون عليه، ما يدفعهم أحيانًا إلى صناعة صورة مختلفة عن واقعهم الحقيقي بهدف الحصول على القبول الاجتماعي والشعور بالتقدير».

وبيّن أن المشكلة لا تكمن في استئجار الكماليات بحد ذاته، بل في تحوّل هذا السلوك إلى وسيلة لبناء هوية اجتماعية قائمة على المظاهر فقط، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضغوط نفسية واستنزاف مالي مع مرور الوقت.

وأكد أن «المقارنات اليومية التي تفرضها المنصات الرقمية تجعل البعض يشعر أن حياته أقل قيمة من الآخرين، فيلجأ إلى تقليد نمط الحياة الفاخر، ولو بصورة مؤقتة ومصطنعة».

المقارنة الدائمة

من جانب آخر، يرى مختصون نفسيون أن التعرض المستمر للمحتوى الفاخر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في خلق حالة من «المقارنة الدائمة»، حيث يشاهد المستخدم يوميًا صورًا توحي بحياة مثالية مليئة بالسفر والرفاهية والنجاح المادي.

ومع تكرار هذه المشاهد، يبدأ بعض الأفراد في محاولة محاكاة تلك الصورة بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كانت عبر استئجار المظاهر لساعات محدودة فقط.

ويشيرون إلى أن هذا النوع من السلوك قد يتحول مع الوقت إلى احتياج نفسي مرتبط بالشعور بالقبول والانتماء، خصوصًا لدى فئة الشباب والمراهقين الذين يتأثرون بشكل كبير بآراء الآخرين وتعليقاتهم على المنصات الرقمية. كما أن بعض الأفراد يدخلون في سباق غير معلن للحفاظ على صورة مثالية باستمرار، ما يخلق ضغوطًا نفسية قد تنعكس على الرضا الشخصي والثقة بالنفس.

استثمار التوجه

في هذا السياق، يقول محمد القحطاني، وهو موظف في القطاع الخاص، إن «بعض المشاريع التجارية بدأت تستثمر هذا التوجه بشكل مباشر، من خلال توفير خدمات مخصصة لتأجير السيارات الرياضية، والساعات الفاخرة، والحقائب العالمية، وحتى الطائرات الخاصة، لأغراض التصوير وصناعة المحتوى فقط».

وأضاف أن «هذه الخدمات أصبحت تسوقًا باعتبارها وسيلة لبناء» صورة رقمية فاخرة درج «وتعزيز الحضور على منصات التواصل الاجتماعي»، لافتًا إلى أن «بعض الأشخاص يلجؤون إليها بهدف جذب المتابعين، أو الظهور بمظهر أكثر نجاحًا ورفاهية».

وأشار القحطاني إلى أن «انتشار هذه الخدمات يعكس حجم التأثير الذي باتت تمارسه المنصات الرقمية على سلوك الأفراد»، موضحًا أن «كثيرًا من الناس أصبحوا يهتمون بكيفية ظهورهم أمام الآخرين أكثر من اهتمامهم بالواقع الحقيقي لحياتهم».

مجاراة المشهد

يروي فيصل سيف تجربته مع هذه الظاهرة، موضحًا أنه استأجر سيارة فارهة ليوم واحد من أجل تصوير محتوى لحسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال إن «الهدف لم يكن خداع المتابعين بقدر ما كان محاولة لمجاراة المشهد العام الذي يفرضه عالم المؤثرين، حيث أصبحت الصور الفاخرة جزءًا من معايير النجاح والحضور الرقمي».

وأضاف أن «كثيرًا من المستخدمين يشعرون بأن المحتوى العادي لم يعد يجذب الانتباه كما في السابق، الأمر الذي يدفع البعض إلى البحث عن طرق مختلفة لصناعة صورة أكثر فخامة، حتى وإن كانت مؤقتة أو غير واقعية».

زوايا مدروسة

في المقابل، ترى هالة محمد أن كثيرًا من الحسابات التي توحي بثراء أصحابها على الإنترنت لا تعكس الواقع الحقيقي لأصحابها، بل تعتمد على زوايا تصوير مدروسة، وانتقاء لحظات محددة لصناعة انطباع مثالي أمام الجمهور.

وأوضحت أن «بعض المتابعين يصدقون كل ما يُعرض على المنصات الرقمية، دون إدراك أن جزءًا كبيرًا من هذا المحتوى يتم ترتيبه بعناية لإظهار حياة أكثر رفاهية مما هي عليه في الواقع».

وأكدت أن «المشكلة لا تتعلق بالمظاهر فقط، بل بالتأثير النفسي الذي قد ينعكس على المتابعين، خصوصًا عندما يقارن الأشخاص حياتهم اليومية الطبيعية بما يشاهدونه من صور تبدو مثالية ومستقرة ومليئة بالرفاهية».

عبء مالي واجتماعي

بدورهم، حذر اقتصاديون من تحول هذه المظاهر إلى عبء مالي واجتماعي، خاصة عندما يحاول بعض الأفراد مجاراة أنماط استهلاكية لا تتناسب مع مستوى دخلهم الحقيقي. وأشاروا إلى أن الرغبة المستمرة في الحفاظ على صورة اجتماعية معينة قد تدفع البعض إلى الاقتراض أو الإنفاق المبالغ فيه فقط من أجل الظهور بمظهر أكثر ثراءً أمام الآخرين.

كما أكدوا أن استئجار الكماليات بحد ذاته لا يُعد سلوكًا سلبيًا، لكنه يصبح مصدر قلق عندما يتحول إلى وسيلة لقياس القيمة الاجتماعية، أو أداة للبحث عن القبول والإعجاب الرقمي. ويرى مختصون أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في تأثيرها على وعي المراهقين والشباب، الذين قد يربط بعضهم النجاح الحقيقي بالمظاهر فقط، متجاهلين أهمية الاستقرار النفسي والإنجاز الواقعي.

الصورة والمكانة

لم تعد المسألة مجرد سلوك عابر كما يشير صانع المحتوى كريم عبدالطيف، حيث يقول إن «الوجاهة الاجتماعية بالإيجار لم تعد مجرد سلوك استهلاكي عابر، بل أصبحت انعكاسًا لعصر تتحكم فيه الصورة بالمكانة الاجتماعية».

وأضاف أن «كثيرًا من الأشخاص باتوا يدركون أن الانطباع الأول على الإنترنت قد يصنع شهرة أو يمنح صاحبه حضورًا أكبر، لذلك يسعى البعض إلى بناء صورة مثالية حتى وإن كانت مستأجرة لساعات محدودة فقط».

وأشار إلى أن «التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في امتلاك المظاهر الفاخرة، بل في قدرة الأفراد على التمييز بين الحياة الواقعية والصورة المصنوعة بعناية على منصات التواصل الاجتماعي».

وأكد أن «كثيرًا مما يُعرض أمام الجمهور لا يعكس دائمًا الحقيقة الكاملة وراء الكاميرا».