أبها: محمد الفهيد

عدد تحليل جديد 7 عوامل ديناميكية ستحدد ملامح الشرق الأوسط الذي سينبثق من الحرب الأمريكية الإيرانية، متى ما توقف إطلاق النار نهائيا. وقال التحليل الذي نشر في موقع Modern Diplomacy، إن كل حرب كبرى في الشرق الأوسط خلّفت تغييرات جذرية في المنطقة لم يتوقعها أحد في حينها. فقد خلّفت حرب 1948 العربية الإسرائيلية أزمة لاجئين لا تزال تداعياتها قيد التفاوض حتى بعد مرور 78 عاما. وأعادت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تنظيم بنية الأمن الإقليمي بأكملها حول خط صدع جديد لم يكن أحد يتوقعه. أما الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فقد خلق فراغا ملأته إيران بسرعة وفعالية تفوق توقعات أي شخص في واشنطن، مُعيدا تشكيل موازين القوى في بلاد الشام بطرق استغرق فهمها عقدا من الزمن.

وتندرج حرب إيران عام 2026 ضمن هذه الفئة. ليس لأن النتيجة واضحة، فهي ليست كذلك، ولأن وقف إطلاق النار الحالي هشٌّ لدرجة أن أي شخص يدّعي اليقين بشأن ما سيحدث لاحقا لا يولي الأمر الاهتمام الكافي. بل لأن الحرب قد تجاوزت بالفعل عدة عتبات لا يمكن التراجع عنها، وأرست سوابق ستؤثر على السلوك لسنوات، وكسرت العديد من الافتراضات التي كان النظام الإقليمي يعتمد عليها ضمنيا دون أن يعترف أحد بذلك صراحة.

1. إيران تنجو لكن حسابات النظام تغيرت

لا يزال نظام طهران قائما، وهذا أمر بالغ الأهمية، ولكن إيران استوعبت أكبر حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية في تاريخ المنطقة الحديث، وفقدت مرشدها الأعلى، وتضررت منشآتها النووية وتدهور جيشها، ولا تزال قائمة.

ما تغيّر هو حسابات النظام بشأن بقائه، فالنظام الذي سينبثق من هذه الحرب سينظر إلى سجل الحرب بالكامل، ويستخلص العبر حول نوع الردع الفعال.

سيزداد النظام ارتيابا على الصعيد الداخلي، فقد اندلعت الحرب عقب احتجاجات يناير 2026 التي قتلت فيها قوات الأمن ما لا يقل عن 30 ألف شخص، ولذلك فإن نظاما ضعيفا بموارد عسكرية مستنزفة وشعب يعاني من الصدمة النفسية ليس مزيجا مستقرا.

2. تجميد مشروع التطبيع

قبل 28 فبراير، بدا منطق اتفاقيات أبراهام راسخا. فقد طبعت الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل. إلا أن الحرب على إيران حطمت فرضية أن يستمر التطبيع أمام أعين الجميع. وقد ازدادت حدة الرأي العام العربي، الذي كان يُظهر معارضة بنسبة 87% للتطبيع وفقا لمؤشر الرأي العام العربي قبل الحرب، بعد أن شهدوا إسرائيل تشن حملات قصف متواصلة على لبنان وغزة وإيران في آن واحد لأكثر من 70 يوما. ويرى العديد من المراقبين العرب أن الحرب ليست صراعا معزولا، بل هي أحدث فصول مشروع إسرائيلي أوسع للهيمنة العسكرية يشمل غزة والضفة الغربية ولبنان، والآن إيران، بدعم عسكري ودبلوماسي أمريكي.

3. شرخ جديد في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

لطالما كان الدعم الأمريكي لإسرائيل الركيزة الثابتة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط عبر مختلف الإدارات منذ عام 1948. وقد صمد هذا الدعم أمام التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، والعمليات العسكرية في غزة التي أثارت إدانات دولية، والخلافات السياسية التي تصاعدت حدتها في بعض الأحيان. وقد أضافت حرب إيران عام 2026 متغيرا جديدا إلى هذه العلاقة لم يكن موجودا في التوترات السابقة: وهو الاعتقاد المتزايد لدى شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى حرب لم تكن ترغب بها ولا تستطيع إنهاءها بسهولة.

أكثر من 60% من الأمريكيين لا يوافقون على الحرب مع إيران. وقد تراجعت شعبية ترمب إلى مستويات قياسية منخفضة، ويعود ذلك جزئيا إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، وهي عوامل تُعزى مباشرة إلى إغلاق مضيق هرمز. وقد منحت هذه الشعبية المتدنية زخما سياسيا لمواقف كانت حكرا على الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، كربط المساعدات العسكرية بسلوك إسرائيلي محدد، والمطالبة بالمساءلة عن الخسائر في صفوف المدنيين في لبنان وإيران، وإخضاع القيمة الإستراتيجية للعلاقة الثنائية لنوع من التدقيق القائم على تحليل التكلفة والعائد، والذي لطالما كانت بمنأى عنه.

4. الصين قوة لا غنى عنها

لم تطلق بكين رصاصة واحدة. ولم تستثمر رأسمالها الدبلوماسي بشكل علني. ولم تضطلع بأي دور وساطة رسمي. ما فعلته هو أنها وضعت نفسها، بصبر ومهارة كبيرين، كطرفٍ احتاجته كل من واشنطن وطهران أكثر مما أرادتا الاعتراف به، ثم حصدت الفضل الدبلوماسي عندما تحقق وقف إطلاق النار.

ساعدت الصين في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات مع إسلام آباد، وفقا لتصريحات ترمب العلنية.

ورسّخت اتفاقية بكين وجهود استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ عام 2016 بين السعودية وإيران في عام 2023، مكانة الصين كفاعل دبلوماسي مؤثر في الشرق الأوسط. أما حرب إيران عام 2026 فقد رسّخت مكانتها كفاعل لا غنى عنه. هذا التمييز جوهري. فالقدرة تعني إمكانية لعب دورٍ ما عندما تكون الظروف مواتية، بينما «لا غنى عنه» يعني أن النتيجة تتغير في حال عدم التدخل. لقد تجاوزت بكين هذا الحد، دون أن تلتزم بأي التزامات عسكرية، أو تتحمل أي تكاليف، أو تتحمل أي تداعيات سياسية داخلية تُثيرها عادة تدخلات واشنطن في الشرق الأوسط.

5. بحث الخيارات النووية

تعرضت إيران للقصف مرتين خلال مفاوضات نووية جارية. أصبح هذا التسلسل من الأحداث جزءا لا يتجزأ من السجل الإستراتيجي، وقد قامت كل حكومة كانت تحسب خياراتها النووية بهدوء بتحديث جداول بياناتها وفقا لذلك.

استُنزفت ذخائر الولايات المتحدة في المحيط الهادئ لدعم الحملة الإيرانية. وسُحبت مكونات منظومة ثاد من كوريا الجنوبية. وتعرّض حلفاء الولايات المتحدة في آسيا لانتقادات علنية لرفضهم الانضمام إلى التحالف. لم تكن الرسالة التي وصلت إلى سيول وطوكيو وأنقرة هي الرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها، وستؤثر الاستنتاجات التي تُستخلص في تلك العواصم حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية على قرارات السياسة النووية خلال العقد القادم.