الرياض: الوطن

على الرغم من أن الشيلات السعودية من أكثر الظواهر الصوتية حضورا وتأثيرا في المشهد الثقافي المحلي خلال العقد الأخير، فإنها لا تزال محل جدل واسع حول مشروعيتها الفنية. حيث يرى بعضهم أنها لا ترقى إلى كونها «فنا»، بحجة اعتمادها على الأصوات المستعارة، وارتباطها بمؤدين لا يمتلكون المعايير الصوتية المتعارف عليها. غير أن هذه النظرة تبدو مرتبطة بصورة الشيلات في بدايات انتشارها، خصوصا بين عامي 2017 و2018، إذ ظهرت كتجربة شعبية غير مستقرة المعالم، تتسم بالعفوية وتفتقر إلى القوالب الواضحة والمعايير الفنية المحددة. لكن هذا الارتباك في البدايات ليس استثناء في تاريخ الفنون، فمعظم الأشكال الفنية تبدأ بوصفها تجارب خام متحررة من الضوابط، قبل أن تمر بمراحل من التطور والتراكم تمنحها هويتها الخاصة. وهذا ما حدث بالفعل مع الشيلات السعودية، التي تجاوزت اليوم صورتها الأولى، وتحولت إلى مساحة غنائية متشعبة تضم قوالب لحنية وأدائية متعددة، وتيارات وأساليب مختلفة تستحق الدراسة والتحليل بوصفها مكونا فنيا قائما بذاته، لا مجرد موجة عابرة أو ظاهرة مؤقتة.

ولم تعد الشيلات اليوم حبيسة فضائها الشعبي المحدود، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية والذاكرة السمعية لجيل كامل، حيث تحظى بجماهيرية واسعة تتجاوز الحدود المحلية، كما تحولت إلى أهم الوسائل الحديثة لإحياء الموروث السعودي، بعد سنوات من تراجع حضور الأشكال الغنائية المرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية في المشهد الفني العام.

مفهوم الشيلة

لفهم هذا التحول، لا بد أولا من التوقف عند مفهوم «الشيلة». فالمصطلح ليس جديدا بالكامل. فكلمة «الشيلة» موجودة في بعض الفنون التقليدية القديمة، وكانت تشير إلى مؤدي «يشيل» البيت الشعري ويقوم بغنائه.

أما الشيلة الحديثة، فهي شكل غنائي يحمل خصائص فنية وصوتية خاصة، إلا أن تعريفه بدقة يظل معقدا بسبب تحول عناصره باستمرار. فالصورة النمطية التي تربط الشيلات بالأصوات المستعارة وغياب الآلات الموسيقية لم تعد تنطبق على جميع نماذجها اليوم، إذ ظهرت أعمال تستخدم الأورج والناي والعود والكمان، وأخرى تعتمد على الأداء الصوتي المباشر دون مؤثرات بديلة.

ومن هنا تأتي صعوبة وضع تعريف جامد للشيلات، لأنها ليست قالبا ثابتا بقدر ما هي ظاهرة صوتية متحولة، تبرز فيها عناصر الغناء الشعبي بشكل واضح في الكلمات والألحان، لإضافة إلى تداخلها مع أسلوب «الأنشودة الإسلامية». التي تعد الراعي الرسمي لـ«الأصوات المستعارة والتأثيرات الصوتية البشرية»، ولأن عددا لا يستهان به من المنشدين قاموا بتأدية الشيلات في بداياتها كبديل «شرعي» للأغاني. مما ترك أثرا واضحا على شكل «الشيلة«.

وبالتالي، يمكن اعتبار «الشيلة» مزيجا بين الروح المحلية والغناء الشعبي، وطابع الأنشودة الإسلامية.

ما قبل ثورة الشيلات

لفهم ظاهرة الشيلات السعودية، لا بد من توضيح السياق الثقافي الذي سبق انفجارها الجماهيري. فقد جاءت الشيلات في مرحلة شهد فيها المجتمع السعودي حالة من الانكماش الفني، تزامنت مع صعود موجة التشدد الديني التي تعد الغناء والموسيقى ممارسات محرمة وغير مقبولة اجتماعيا، وهو ما انعكس على الحياة الفنية بشكل مباشر.

تراجعت الحفلات الموسيقية، وضاقت المساحات العامة المخصصة للغناء، وانحسر حضور الفنون الشعبية في نطاقات محدودة ومقيدة.

في تلك المرحلة، لم يكن التراث الغنائي الشعبي حاضرا في المجال العام إلا في سياقات استثنائية، مثل الأعراس! وكأن هذه المناسبات وحدها تمنح الفنون التقليدية «مبررا» للظهور. أما إقامة الحفلات الشعبية أو تقديم الفنون المحلية باعتبارها نشاطا ثقافيا مستقلا، فكان أمرا غير مألوف اجتماعيا، وأحيانا غير مرحب به.

عاش المجتمع آنذاك حالة من التناقض بين واقعين متوازيين: واقع يومي محافظ يضيق على التعبير الفني ويضع قيودا أخلاقية واجتماعية على الغناء والموسيقى، وواقع إعلامي آخر تبثه القنوات الفضائية العربية، خصوصا اللبنانية والمصرية، التي كانت تعيش ذروة عصر الفيديو كليب، حيث تحول الغناء إلى منتج بصري يعتمد على الصورة والحكاية والاستعراض أكثر من اعتماده على الصوت وحده.

وفي خضم هذا التحول، تراجع حضور الأغنية الشعبية التقليدية، وابتعد كثير من الفنانين الشعبيين عن المشهد، سواء بسبب الضغوط الاجتماعية والدينية، أو بسبب تغير طبيعة الصناعة الغنائية نفسها، التي باتت تفضل نجوم «الطرب المعاصر» القادرين على مواكبة الشكل الإعلامي الجديد.

خلال تلك الفترة، بقيت مصادر الموروث الشعبي السعودي محدودة للغاية، وتمثلت بصورة رئيسة في قنوات مثل «الساحة» و«الصحراء»، التي وثقت الفنون الشعبية من خلال الأعراس والأفراح العائلية، وبثت بعض الشيلات - في صورتها الأولية - الغنائية فقط، لا يصاحبها إيقاع ولا مؤثرات صوتية. حتى الإنترنت، لم يوفر أرشيفا صوتيا يمكن من خلاله الاستماع إلى التراث المحلي، واقتصرت المواد المتاحة على تسجيلات أعراس ومناسبات رجالية، في مقاطع قصيرة جدا لا تتجاوز الثواني، مصورة بهواتف قديمة، توثق رقصات وفنون شعبية بشكل عابر وغير احترافي.

وبذلك، غابت الأغنية الشعبية السعودية عن المجال السمعي اليومي، وتراجع حضور التراث المحلي في الوعي الجمعي لجيل كامل.

لكن هذا الفراغ لم يدم طويلا. فمع تراكم الحاجة إلى التعبير عن التراث الفني، وغياب البدائل المحلية القادرة على تمثيل الحس الشعبي، بدأت الشيلات بالظهور. قدمت في بداياتها باعتبارها غناء مباحا ومقبولا نسبيا، خصوصا أن عددا من نجومها الأوائل جاءوا من خلفية الإنشاد الإسلامي، كما أن اعتمادها على المؤثرات البشرية بدل الآلات الموسيقية منحها مساحة أوسع للانتشار داخل مجتمع لا يزال متحفظا تجاه الموسيقى الصريحة.

2017 لحظة الانفجار

يمكن اعتبار عام 2017 اللحظة التي تحولت فيها الشيلات من ظاهرة هامشية إلى تيار جماهيري واسع. فقد قدم ذلك العام انفجارا حقيقيا للطاقة الشعبية المكبوتة بعد سنوات من غياب الموروث الشعبي.

وكأي تجربة ناشئة، حملت الشيلات في بداياتها كثيرا من العشوائية والمبالغة، فبرزت فيها موضوعات التفاخر القبلي، والأصوات القبيحة، والأداءات الصوتية غير الاحترافية، كما ارتبطت في الوعي العام ببعض الصور النمطية الاجتماعية، مثل «الدرباوية».

غير أن اختزال الشيلات في هذه المرحلة فقط يغفل السياق الثقافي الذي نشأت فيه. عاش المجتمع السعودي آنذاك حالة من الاستلاب الثقافي، حيث ارتبطت الحداثة في الوعي الجمعي بتقليد النماذج الغربية السائدة، بينما كان التعامل مع التراث المحلي يرتبط بشيء من الحرج أو التحقير الذاتي. ولذلك، لم يكن الرفض الذي واجهته الشيلات في بداياتها فنيا فقط، بل كان أيضا انعكاسا لنظرة اجتماعية أوسع تجاه كل ما هو محلي وشعبي.

ولم يبدأ هذا التصور بالتغيير إلا مع صعود خطاب الاعتزاز بالهوية السعودية، وما رافق رؤية 2030 من اهتمام متزايد بالثقافة المحلية، وإعادة إحياء الفنون التراثية، وظهور مناسبات وطنية وثقافية مثل «يوم التأسيس»، التي أعادت للموروث الشعبي مكانته الرمزية داخل المجال العام.

ما بعد «ثورة الشيلات«

بعد نحو عقد من انفجار الشيلات وانتشار آلاف الأعمال عبر المنصات الرقمية، لم تعد هذه الظاهرة مجرد موجة شبابية عابرة، بل أصبحت تجربة فنية يمكن رصدها وتحليلها وتصنيف تياراتها وأساليبها المختلفة. تطورت الشيلات من نموذج واحد بسيط إلى أشكال متعددة، تختلف في بنيتها وأسلوب أدائها، وخلفياتها الثقافية.

تنوع الموضوعات الشعرية

من حيث النصوص الشعرية، لا تقتصر الشيلات على موضوع واحد، بل تتسع لتشمل طيفا واسعا من التجارب الإنسانية. شأنها في ذلك شأن الأغنية الشعبية التي تتطرق لكل جوانب الحياة، وتتمتع بنطاق حرية في تناول موضوعات مختلفة ووصف تجارب متعددة، لا تقتصر على الجانب العاطفي التقليدي المرتبط بعلاقات الحب والوصال والهجر، بل تمتد إلى التعبير عن الضحك والتسلية والسخرية والحوار.

كما تظهر نصوص تصف حالات شعورية، مثل الوحدة والبحث عن العون المعنوي، حين يشعر الإنسان بالحيرة في دروب الحياة ويحتاج إلى من يرشده.

وتتناول بعض الشيلات التعبير عن الفقد، والحب للأب أو الأم أو الوفاء لصديق، ومواقف الشهامة والنبل، أو خذلان الأصدقاء.

وفي السنوات الأخيرة اتسع نطاق الشيلات وصولا إلى الأندية الرياضية، مما يعكس تنامي جماهيريتها وتطور أنماطها، حتى أصبحت وسيلة للتعبير عن الحماس والانتماء الرياضي.

الشيلات من حيث الألحان

أما من حيث الألحان، فيمكن ملاحظة عدة أنماط رئيسة. أولها ما يمكن تسميته «الشيلة الفلكلورية»، وهي التي تؤدى بنصوص وألحان مأخوذة من فنون تقليدية موروثة تنتمي إلى مناطق محددة في السعودية. غير أن انتقال هذه الألحان إلى الشيلة غالبا ما يغير شكلها الأصلي. الفلكلور تحكمه تقاليد أداء دقيقة يصعب نقلها كاملة إلى قالب الشيلة.

على سبيل المثال، في عرضة أهل الباحة يبدأ الشاعر الأول بما يسمى «البدع» ويكرره ثلاث مرات، وبين كل مرة وأخرى يدق الزير لمدة دقيقة، ثم يأتي الشاعر الثاني بالرد بالطريقة نفسها، بينما تردد الصفوف الأبيات وفق نظام أدائي متوارث. لكن عندما تنتقل هذه البنية إلى الشيلة فإنها تتحول إلى شكل أقرب إلى الأغنية الحديثة: مقطع غنائي يتبعه فاصل موسيقي، ثم مقطع آخر حتى نهاية العمل، مع غياب الآلات الموسيقية المعتمدة في الأداء التقليدي، مثل: الصفريقا. ومن الأمثلة على ذلك شيلة (أنفدا من بدا) التي تستلهم إيقاع عرضة الباحة لكنها لا تنقل تقاليد الأداء الأصلية.

وفي مثال آخر لشيلة تنتمي إلى فن الخطوة العسيرية، لكنها قدمت الخطوة بإضافة آلات موسيقية حديثة، مثل الأورج. شيلة (راعية والضبا حولها ترعى).

وإلى جانب هذا النمط، ظهرت شيلات تقدم لحنا شعبيا موحدا بطابع سعودي عام لا ينتمي إلى تراث منطقة محددة، بل يعكس هوية شعبية محلية جامعة، كما في شيلات مثل (ملكته وهو كله ملكني) أو (عشقتي يا عشقتي).

ونجد نوعا ثالثا يقوم على الألحان الهجينة التي تمزج أكثر من فن فلكلوري في العمل الواحد، بحيث يشعر المستمع أحيانا بأن اللحن يقترب من لون «الرايح» البيشي، لكنه أيضا يتقاطع مع إيقاع الدوسري وألوان أخرى.

الشيلة ومسار الأغنية الشعبية

لفهم ظاهرة الشيلات بشكل أعمق، لا بد من العودة إلى سياقها التاريخي.

قديما، قبل اتساع حركة التمدن في السعودية، كان المجتمع ذا بنية قبلية واضحة، وارتبطت الفنون بالقبيلة، بحيث تمتلك كل قبيلة أو منطقة فلكلورها الخاص.

ومع نهاية الخمسينيات، ومع دخول الأسطوانات وبداية التدوين الصوتي، بدأ يظهر نوع من الأغنية الطربية السعودية الموحدة التي لا تنتمي إلى منطقة بعينها. وفي الوقت نفسه ظهرت أيضا أغنية شعبية موحدة تمثل مختلف مناطق المملكة، ونمت هذه الأغنية وتعددت تياراتها وأساليبها حتى نهاية التسعينيات. لكن مع صعود موجة الفيديو كليب وتحول التلفزيون إلى المصدر الرئيس لسماع الأغاني، تراجعت الأغنية الشعبية بشكل ملحوظ.

معظم القنوات المسيطرة على هذا المجال لم تكن محلية، وكانت اهتماماتها موجهة نحو الموسيقى العربية الحديثة، ولم تكن مهتمة بعرض الفنون الفلكلورية، خصوصا تلك التي تخلو من الإبهار البصري. مما أسهم في تراجع حضور التراث المحلي في المشهد الغنائي.

في ظل هذا الانقطاع الطويل عن التراث، ظهرت الشيلة بقوة، وانفجرت في المشهد الثقافي معبرة عن مجتمع حرم لفترة طويلة من التعبير عن تراثه وهويته. ولهذا ظهرت أيضا مشاعر التفاخر القبلي والاعتزاز بالانتماء، باعتبارها رد فعل على غياب الفلكلور والكبت الثقافي.

أخيرا، يمكن اعتبار الشيلة امتدادا حديثا للأغنية الشعبية التي ظهرت في الخمسينيات، مع اختلاف في الآلات الموسيقية وأسلوب التقديم. فالشيلة تشترك مع الأغنية الشعبية في الأغراض الشعرية وحرية التعبير عن نبض المجتمع، وتملك الروح المحلية ذاتها. لكنها مرت بظروف ومراحل قاسية، أبعدتها عن المشهد، ثم عادت حسب الضوابط الاجتماعية المتاحة.

يمكن وصف مرحلة الشيلات بـ»التنكر الديني" أو (غناء شعبي وفق الضوابط الشرعية)- للحفاظ على حضورها في المجتمع.

أما الآن فإننا نشهد عودة الأغنية الشعبية لشكلها الأصلي مع تراجع الحرج الاجتماعي والديني. إذ يمكن ملاحظة ورصد الشيلات اليوم التي بدأت تدريجيا تتخلى عن الأصوات المستعارة وتعيد استخدام الآلات الموسيقية.

ومع ذلك، حتى الآن لا يزال المشهد منقسما بين اتجاهين: الأول، يواصل تقديم الشيلة بأسلوبها الإسلامي المعتمد على المؤثرات الصوتية، والثاني يعيدها إلى فضاء الأغنية الشعبية، ولكن بروح جديدة تنتمي إلى زمنها.

شكرا للشيلات

بغض النظر عن الجدل المستمر حول تصنيف الشيلات ومشروعيتها الفنية، يصعب إنكار الدور الذي لعبته في إعادة اتصال المجتمع السعودي بتراثه الغنائي الشعبي. فبعد سنوات طويلة من غياب الموروث المحلي عن الحياة اليومية، أعادته الشيلات إلى المجال السمعي العام، وجعلته حاضرا من جديد في السيارة، وفي المنزل، وفي المناسبات، وعلى الهواتف والمنصات الرقمية.

تحولت الشيلات، بالنسبة لشريحة واسعة من الناس، إلى وسيلة حديثة لاستعادة الذاكرة الشعبية والتفاعل معها بصورة يومية، بعد أن كان التراث الغنائي محصورا في التسجيلات القديمة أو المناسبات الموسمية المحدودة. والأهم أنها لم تكتف بإحياء النصوص والألحان التقليدية، بل أضافت إلى المخزون التراثي نصوصا قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، دون أن تفقد روحها المحلية بالكامل.

اليوم، أصبحت المنصات الرقمية تعج بمئات النماذج من الشيلات المستلهمة من الفنون الشعبية السعودية، والتي أعادت استخدام الإيقاعات والألحان والروح الشعرية المحلية ضمن قوالب حديثة تلقى رواجا جماهيريا واسعا. وبفضل هذا الحضور الكثيف، لم يعد التراث مادة مجهولة أو ذاكرة بعيدة، بل أصبح جزءا من الاستماع اليومي والذائقة المعاصرة.

الشيلات

ـ ظاهرة صوتية حاضرة ومؤثرة في المشهد الثقافي المحلي

ـ لا تزال محل جدل واسع حول مشروعيتها الفنية

ـ بدايات انتشارها كانت بين عامي 2017 و2018 كتجربة شعبية عفوية وبلا قوالب ومعايير واضحة

ـ تحولت اليوم إلى مساحة غنائية متشعبة تضم قوالب لحنية وأدائية وتيارات وأساليب متعددة

ـ باتت اليوم جزءا من الحياة اليومية والذاكرة السمعية لجيل كامل

ـ جماهيرتها تجاوزت الحدود المحلية وباتت وسيلة حديثة لإحياء الموروث السعودي