أنس الرشيد

يُروى أنَّ الرسَّامة الإغريقية كُورا سألت الفيلسوف إكسينوفانيس وهما يتجوّلان في مرابط الخيول: كيف تتخيل الخيولُ الآلهة؟ قال: قبل أن أجيبك كيف ترسمين آلهتنا؟ قالت بأفضل شكلٍ ومعنى يمكن أن يكون عليه الإنسان، قال: لو كان للخيول يدٌ ترسم لجعلت الآلهةَ خيولًا من أرقى أنواع الخيول.

وثّقَت كُورا مقولةَ الفيلسوف بلوحةٍ فنية، تُرينا خيلًا من بعيد -له يدا إنسان- يرسم خيلًا يَفلق البحر بحوافره، وإنسانًا -بلا يدين- خلفَ صخرة يُراقب، لمَّا وصلت اللوحة إلى يد السوفسطائي بروتاقوراس فهم منها أنَّ كل كائن يرى الوجود من ذاته، فأعطاها عنوانًا مطلقًا أراد به تثبيت النسبية! قال: «الإنسان مقياس كل شيء».

هذه اللوحة وعنوانها جعلت الفيلسوف كانط يُلبِّسُ الإنسانَ نظارةً ملوّنة، إذا لبسها خضراء كان الوجود أخضر، وإذا لبسها زرقاءَ ازرقَّ الوجود، فسأله تلميذه يوهان هيردر: ماذا لو كانت نظارتك تختلف من أمةٍ إلى أخرى؟ ألا ترى أنَّ لكل أمةٍ لغة، ولكل لغةٍ بنية، ولكل بنية تراكيب، ولكل تراكيب مفردات، والمفردات تنحت الوجود، ولا يُمكن أن يكون هذا كله إلا لأنَّ لكلِ أمة رؤية للعالم؟.

رحلة اللوحة مرّت ببلاد العرب في القرنين الثاني والثالث، ووجدت لها في التأويل مرتعًا خصبًا، فهي أول ما دخلت وقعت بيدِ جماعة من الصوفية، كعبدالواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، ووضعوا لها اسمَ «الأبدال»، ويُريدون به أنَّ الرسّامةَ كورا «أبدلت» الخيلَ بالإنسان، وفي الآن نفسه كان المراد معنى باطنيًا وهو الإشارة إلى «الأبدال»، وهم عدد من الأولياء والعُبّاد، يُسيّرون الوجود بإشراقاتهم، لا تخلو منهم الأرض، كلما مات واحدٌ منهم أُبدِل بآخر.

وربما فسَّر الصوفيةُ اللوحةَ هكذا؛ لأنَّ رؤيةَ العرب للوجود والمعرفة والأخلاق تحتاج إلى دعائم حسيّة اجتماعية، لهذا لمَّا جاء الإسلام كان مصدر الحقيقة رؤية أفعال النبي مباشرة، وسماع أقواله، ولكن لمَّا تُوُفِّي احتاجوا إلى «بديل» فكانت نظرية الأبدال، إلا أنَّ الصوفيةَ -بفكرة الشخصنة الباطنية- متأثرون بثقافات فارسيّة وهندية تربط الوجود بقوى خفية وأسرار باطنية، فجاء الإمام ابن حنبل وشكَّل من نظرية الأبدال لوحةً مفاهيمية، منتزعًا المصطلح من حقله الميتافيزيقي ووضعه في أصل العقل العربي الحسّي، حيث قال للصوفيّة: لوحة الرسّامة كُورا تُعَبِّر عن شكل الإبدال، وليس عن ذواتٍ لا يُرون، فالتفتَ إليه ابن إبراهيم الصوفي وسأله: فمن الأبدال إذن؟ قال: هم أهل الحديث، ثم جاء بكُرَّاس ووضع المصحفَ عليه، كأنَّه مسطرة، ثم خطَّ خطًا عن يمينه وعن شماله ليكونا متوازيين بشكلٍ مستقيم، وكتب من الأعلى إلى الأسفل آية: «أفمن يمشي مُكبًا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم»، ثم وضع أسماء أشخاص على هوامش الكُراس، وبجانب كل اسم خط مقطوع متعرج يمتد ليعترض الخطين المتوازيين بمحاذاة المصحف، ويحاول أن يُبدّل فيهما.

المدهش أنَّ لوحةَ ابن حنبل تصف الجميع بأنهم أبدال، ولكن هناك أبدال سلبيون وهم أصحاب الخطوط المقطوعة، لأنَّهم: يُحرفون وينتحلون ويؤولون، وهذه صفات غير العرب، وأما أهل الحديث -شكل الخط الأكبر المحاذي للمصحف- فهم الأبدال الإيجابيون، وهم العرب في أصل نظرتهم الوجودية، أولئك الذين يحرسون بنية الواقع، وطريقة العربي في إدراك وجوده.

ومن هذا المنطلق نفى أهل الحديث عن الوجود تحريفَ الغالين وهو «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله كما تنظر إليه العينُ العربية حسيًّا بالمصحف، فحين يقول القرآن: «يد الله فوق أيديهم» فهذا يعني أنّ لله يدًا، لكن بلا تكييفٍ يحدها، ولا تمثيل يجسدها، ولا تأويل يعطلها، ونفوا عن الوجود انتحال المبطلين وهو «إبدال» الشَّكل الأصيل بمتخيلٍ زائف، ونفوا عن الوجود تأويلَ الجاهلين وهو «إبدال» الباطن المجرد بالظَّاهر المحسوس.

والمفارقةُ المدهشة أنَّ أهلَ الحديث كي يحموا وجودهم من التبديل الوافد عليهم، توسَّلوا بثورة إبدالٍ مضادة؛ أي صناعة طائفة منصورة لا تخلو الأرضُ من أفرادها، معركتها الكبرى حماية الوجود الإلهي من التجريد، وإبقاؤه على ظاهره كما يُحسّه العربي.

والأكثر إدهاشًا، أنَّ أرسطو -وهو يؤلف كتابه الميتافيزيقا- هجا إكسينوفانيس بهجاءٍ مقذع، ولم تكن خطيئته إلا أنه صاحبُ فكرة اللوحة الأولى التي تربط المطلقَ والوجود بالحس الثقافي، وأرسطو يريدها مجردة بالمنطق العقلي، وهذه المنطقية هي التي ينفيها أهلُ الحديث حين تتجلّى على لسانِ خصومهم، وكأني بابن القيم لو اطّلع على هجاء أرسطو، لقال ساخرًا: إنَّ إكسينوفانيس هو الضحية الأولى لانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

والأكثر إدهاشا من هذا وذاك أنَّ الرسامة كورا يُنسب إليها اختراع فن الرسم، حيث يروى أنها أرادت الاحتفاظ بصورة عشيقها قبل سفره، فتتبّعت ظلَّ وجهه الساقط على الجدار ورسمت حدوده بخط متصل، وهذا الفعل من كورا هو ما سيفعله ابنُ حنبل حين خطَّ الخطوطَ ليحفظ الوجود النصي من الغياب والتبديل.

التفاتة:

عندما جعل ابنُ حنبل «الأبدال» هم أهل الحديث، كان يُطبّق قانونًا في لغة العرب، فالإبدال-عند العرب- هو إقامةُ حرف مقام آخر يُقاربه في المخرج والصفة، بشرط اتحاد المعنى؛ كلفظة «صراط» التي نطقتها العربُ: صراط وسراط وزراط، الصاد والسين والزاي كلها تشترك في صفة الصفير؛ لذا أبدلت العربُ بينها؛ لأنَّ المعنى واحد وهو الطريق المستقيم، لكن ماذا عن لفظتي «نظر ونضر» ؟ فعلى الرغم من أنَّ حرفي الضاد والظاء قريبان في المخرج والصفة، فإن العرب لا تسمي ذلك إبدالا؛ لأنَّ المعنى يختلف بين اللفظتين؛ فنضر بمعنى: حَسُنَ وأشرق كقوله: «وجوه يومئذ ناضرة»، ونظر بمعنى: أبصر بالعين، كقوله: «إلى ربها ناظرة».

إذن الأبدال -في لوحة ابن حنبل- تتغير أشكالهم ويموتون؛ ليحل محلهم آخرون، والغاية من هذا التبديل الشكلي هو الحفاظ على المعنى الأصلي.