في مقال «الهابيتوس الصحوي بين التراث والحداثة» طلب بعض القراء تبسيطاً أكثر مع إيضاح المفاهيم وتقريبها بالأمثلة، ولهذا سأقدم هنا شرحاً أكثر مباشرة، محافظاً على عمق الفكرة.
( الهابيتوس) يعني تطبّعاُ لا إرادياً في الفهم والذوق وردات الفعل، سببه بارادايم/فهم فكري يبدأ مع النشأة ويشكل نظرتنا للحياة والمجتمع والموقف منهما، و (البارادايم) منظومة مفاهيم متماسكة أيديولوجياً، وليس بالضرورة متماسكة علمياً أو حتى دينياً، يعيش في ظلها المجتمع لسنوات طويلة فيتحول إلى هابيتوس وجداني/سلوك مهيمن على اللاوعي ومنعكس على الوعي، علماً بأن البارادايم/منظومة المفاهيم قد تتغير – مثل الموقف من قيادة المرأة للسيارة - لكن الهابيتوس الذي زرعه في الوجدان حول المسموح والمحظور لا يزول كله فوراً، يبقى لسنوات، بل وعقود أحياناً، صانعاً وسواسه القهري على الذات عند من يخالفه.
وسأحاول طرح أمثلة محتملة من واقعنا لتقريب الفهم: فمثلاً يقيم شخص في فندق فاخر ثم يتفاجأ عند استلام الغرفة بأن هناك لوحة فنية أنيقة معلقة بالجدار وتحوي صورا لذوات أرواح، ستجده لا إرادياً يتضايق من النوم في هذه الغرفة ويصنع إشكالاً مع إدارة الفندق أو تفاوضاً لتغيير الغرفة وألا تحوي تصاوير لذات الروح.
إن لم تستوعب إدارة الفندق البارادايم الذي عاش فيه من يعاني الهابيتوس الصحوي فربما يردون عليه بما يظنون أنه يحرجه فنياً ويجعله يتراجع عن طلبه الغريب، فيقولوا له مثلاً: «إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية»، وهنا تظهر أزمة الهابيتوس الصحوي ضد الفنون بأنواعها، لأنه أصلاً يستغفر من الموسيقى في بهو ومطعم الفندق، لكنه يتصالح مع نفسه بقوله: «الضرورات تبيح المحظورات»، لكنه لا يقبل الصورة المعلقة في الجدار.
طبعاً يناقش نفسه بعد ذلك والموقف الذي وقع فيه، فيعتاد في سفرياته الأخرى أن يقوم بنزع اللوحة من الجدار ووضعها مقلوبة على وجهها في دولاب الفندق أو تحت السرير حتى خروجه منها دون ضجة وحرج.
يظهر البارادايم والهابيتوس أيضاً في الموقف من أغاني أم كلثوم عند فقيه أزهري مصري وفقيه من بيئة أخرى، بل ويفسر ما تتداوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي قبل مصر وبعدها، ومن هنا نفهم كيف استخدم أحد علماء المدرسة السلفية النجدية مصطلحاً قد يتجنبه الأحفاد للمدرسة نفسها، وأقصد كلمة «الضريح» ودلالتها الحديثة مقارنة بعقود سابقة، تجعل السلفي التقليدي الحالي يتساءل: لماذا لم يجد المؤلف رحمه الله عنواناً آخر غير «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» متناسين البارادايم الذي عاش في ظله المؤلف منتصف القرن الثالث عشر الهجري بمكة المكرمة، مما أنتج هابيتوساً لا يأخذ مفردة «ضريح» بالحساسية الموجودة لدى السلفية التقليدية الحالية.
الكتلة الصلبة للهابيتوس الصحوي هم الجيل الذي نشأ منذ نعومة أظفاره داخل أيديولوجيا الصحوة، ولم يدركوا الفترة التاريخية التي قبلها، فجيلي مثلاً (مواليد 1973م) - ومن تجربتي التي عشتها طفلاً - كنت أصلي مع والدي في مسجد حارتنا بإحدى مدن جنوب المملكة، وكان هناك يمنيون كثيرون آنذاك يصلون معنا، وكنت أراهم يقفون معنا متوزعين بتلقائية بيننا في الصفوف وهم (مسبلو الأيدي) في الصلاة دون نكير من أحد، كما لو كان مسجد الحي مثل الحرم المكي في تنوع طوائفه ومذاهبه يصلون الفروض وراء إمام واحد، حتى جاء البارادايم الصحوي، فاختفى التسامح المذهبي بين الناس وشربوا «سم الطائفية»، ولا يعني هذا صك براءة لجيلي، فقد خرج من كان زميلاً لي في كلية الشريعة ليصبح مفتياً لداعش ويقتل في أحد معاركها. راجع محرك البحث تحت عنوان «مقتل مفتي داعش 2015».
هناك جيل أقل تصلباً وأخف في أعراض الهابيتوس الصحوي، وأقصد الجيل الذي نشأ وترعرع مع دخول الفضائيات والإنترنت فهم أقل حدة من سابقيهم، وما أعرضه هنا هو محاولة لإيصال الفكرة بشكل مبسط وعام، أكثر من حرصي على الدقة المنهجية التي تقتضيها أبحاث علم الاجتماع، أما من يقول: كيف نخلط الصحوة بالإرهاب، فإنه يتجاهل أن أحد أكبر زعماء الصحوة المعروفين تحمس لصالح الإرهابيين في حقبة مضت – لا أعادها الله - فطرح نفسه وسيطاً للتفاوض بين وزارة الداخلية والإرهابيين، مما ليس هنا محل تفصيله لمن لا يستطيع النظر في حقيقة مشهد كان يتداوله جناح صحوي سياسي بالكر والفر عبر البيانات وجناح عسكري بالعمليات الإرهابية، فهل نسينا ممانعتهم المبدئية في تسمية من يقتل رجال الأمن بالإرهابي، حفاظاً منهم على مصطلحهم الأثير (المجاهدين، الاستشهاديين... الخ) وللحديث بقية.
( الهابيتوس) يعني تطبّعاُ لا إرادياً في الفهم والذوق وردات الفعل، سببه بارادايم/فهم فكري يبدأ مع النشأة ويشكل نظرتنا للحياة والمجتمع والموقف منهما، و (البارادايم) منظومة مفاهيم متماسكة أيديولوجياً، وليس بالضرورة متماسكة علمياً أو حتى دينياً، يعيش في ظلها المجتمع لسنوات طويلة فيتحول إلى هابيتوس وجداني/سلوك مهيمن على اللاوعي ومنعكس على الوعي، علماً بأن البارادايم/منظومة المفاهيم قد تتغير – مثل الموقف من قيادة المرأة للسيارة - لكن الهابيتوس الذي زرعه في الوجدان حول المسموح والمحظور لا يزول كله فوراً، يبقى لسنوات، بل وعقود أحياناً، صانعاً وسواسه القهري على الذات عند من يخالفه.
وسأحاول طرح أمثلة محتملة من واقعنا لتقريب الفهم: فمثلاً يقيم شخص في فندق فاخر ثم يتفاجأ عند استلام الغرفة بأن هناك لوحة فنية أنيقة معلقة بالجدار وتحوي صورا لذوات أرواح، ستجده لا إرادياً يتضايق من النوم في هذه الغرفة ويصنع إشكالاً مع إدارة الفندق أو تفاوضاً لتغيير الغرفة وألا تحوي تصاوير لذات الروح.
إن لم تستوعب إدارة الفندق البارادايم الذي عاش فيه من يعاني الهابيتوس الصحوي فربما يردون عليه بما يظنون أنه يحرجه فنياً ويجعله يتراجع عن طلبه الغريب، فيقولوا له مثلاً: «إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية»، وهنا تظهر أزمة الهابيتوس الصحوي ضد الفنون بأنواعها، لأنه أصلاً يستغفر من الموسيقى في بهو ومطعم الفندق، لكنه يتصالح مع نفسه بقوله: «الضرورات تبيح المحظورات»، لكنه لا يقبل الصورة المعلقة في الجدار.
طبعاً يناقش نفسه بعد ذلك والموقف الذي وقع فيه، فيعتاد في سفرياته الأخرى أن يقوم بنزع اللوحة من الجدار ووضعها مقلوبة على وجهها في دولاب الفندق أو تحت السرير حتى خروجه منها دون ضجة وحرج.
يظهر البارادايم والهابيتوس أيضاً في الموقف من أغاني أم كلثوم عند فقيه أزهري مصري وفقيه من بيئة أخرى، بل ويفسر ما تتداوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي قبل مصر وبعدها، ومن هنا نفهم كيف استخدم أحد علماء المدرسة السلفية النجدية مصطلحاً قد يتجنبه الأحفاد للمدرسة نفسها، وأقصد كلمة «الضريح» ودلالتها الحديثة مقارنة بعقود سابقة، تجعل السلفي التقليدي الحالي يتساءل: لماذا لم يجد المؤلف رحمه الله عنواناً آخر غير «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» متناسين البارادايم الذي عاش في ظله المؤلف منتصف القرن الثالث عشر الهجري بمكة المكرمة، مما أنتج هابيتوساً لا يأخذ مفردة «ضريح» بالحساسية الموجودة لدى السلفية التقليدية الحالية.
الكتلة الصلبة للهابيتوس الصحوي هم الجيل الذي نشأ منذ نعومة أظفاره داخل أيديولوجيا الصحوة، ولم يدركوا الفترة التاريخية التي قبلها، فجيلي مثلاً (مواليد 1973م) - ومن تجربتي التي عشتها طفلاً - كنت أصلي مع والدي في مسجد حارتنا بإحدى مدن جنوب المملكة، وكان هناك يمنيون كثيرون آنذاك يصلون معنا، وكنت أراهم يقفون معنا متوزعين بتلقائية بيننا في الصفوف وهم (مسبلو الأيدي) في الصلاة دون نكير من أحد، كما لو كان مسجد الحي مثل الحرم المكي في تنوع طوائفه ومذاهبه يصلون الفروض وراء إمام واحد، حتى جاء البارادايم الصحوي، فاختفى التسامح المذهبي بين الناس وشربوا «سم الطائفية»، ولا يعني هذا صك براءة لجيلي، فقد خرج من كان زميلاً لي في كلية الشريعة ليصبح مفتياً لداعش ويقتل في أحد معاركها. راجع محرك البحث تحت عنوان «مقتل مفتي داعش 2015».
هناك جيل أقل تصلباً وأخف في أعراض الهابيتوس الصحوي، وأقصد الجيل الذي نشأ وترعرع مع دخول الفضائيات والإنترنت فهم أقل حدة من سابقيهم، وما أعرضه هنا هو محاولة لإيصال الفكرة بشكل مبسط وعام، أكثر من حرصي على الدقة المنهجية التي تقتضيها أبحاث علم الاجتماع، أما من يقول: كيف نخلط الصحوة بالإرهاب، فإنه يتجاهل أن أحد أكبر زعماء الصحوة المعروفين تحمس لصالح الإرهابيين في حقبة مضت – لا أعادها الله - فطرح نفسه وسيطاً للتفاوض بين وزارة الداخلية والإرهابيين، مما ليس هنا محل تفصيله لمن لا يستطيع النظر في حقيقة مشهد كان يتداوله جناح صحوي سياسي بالكر والفر عبر البيانات وجناح عسكري بالعمليات الإرهابية، فهل نسينا ممانعتهم المبدئية في تسمية من يقتل رجال الأمن بالإرهابي، حفاظاً منهم على مصطلحهم الأثير (المجاهدين، الاستشهاديين... الخ) وللحديث بقية.