محمد بن صقر

هل اختلفت قواعد الحرب أم أننا أمام حرب جديدة تعسكر وتجيش العلوم السلوكية والمعرفية وتحاول إقحام العقول فيها؟ فلم تعد بعض الجيوش نستطيع رؤيتها بالرادارات التقليدية لأنها لا تعبر الحدود بالدبابات والمسيرات والطائرات بل تتسلل إلى الوعي وتستهدف الإدراك وتعيد تشكيل طريقة فهم الجماهير للواقع. ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو أننا اليوم أمام آليات جديدة من التسلل يستهدف إدراكنا بأساليب معرفية وتقنية شديدة التعقيد؛ فالجماهير تتابع الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بصورة مستمرة وغير مسبوقة، وبدوافع متعددة من البحث عن الأخبار والمعلومات والمعرفة، إلى الترفيه والتفاعل الاجتماعي. غير أن ما لا يدركه كثيرون هو أن هذا الحضور اليومي في الفضاء الرقمي جعلهم، في أحيان كثيرة، موضوعًا للاستهداف والتأثير وتغير بوصلة التفكير والسلوك الادراكي؛ فبحسب تقرير بحثي لحلف الناتو صادر عن مركز الابتكار Innovation Hub، تنطلق فرضية أساسية مفادها أن الصراعات المعاصرة تجاوزت المجالات التقليدية الخمسة والتي تشمل (البر، والبحر، والجو، والفضاء، والمجال السيبراني) لتدخل مجالًا جديدًا هو العقل البشري والفضاء الإدراكي. وفي هذا المجال، لا تستخدم العلوم المعرفية مثل علم النفس، والذكاء الاصطناعي، وعلم الأعصاب، لاختراق الشبكات التقنية فحسب، بل لاختراق الفرد ذاته، أو ما يمكن تسميته بـHacking the Individual، وتحويل عقله إلى ساحة معركة رئيسية واستحواذ معرفي كامل، ويؤكد هذا المنظور أن الوعي الجمعي لم يعد مجرد ظاهرة ثقافية أو فكرية أو اجتماعية، بل صار خط دفاع أول في مواجهة حملات هندسة الإدراك. فالجماهير اليوم لا تعاني بالضرورة من نقص المعلومات، بل من غزارتها وسيولتها غير المسبوقة. وهذه السيولة قادرة على لفت وتوجيه الانتباه بطرق مختلفة، وإعادة ترتيب الأولويات والاهتمامات وتضخيم قضايا هامشية على حساب قضايا أكثر أهمية، ومن هنا تكمن خطورة التشبع والتخمة المعلوماتية؛ فالعقل حين يتعرض لسيل هائل من الأخبار والصور والانطباعات والتحليلات، قد يفقد قدرته على التوقف والسؤال من صاغ هذه السردية والمعلومة؟ ولماذا ظهرت لي الآن؟ ومن المستفيد من هذا التأويل؟ عندها يظن الفرد أنه يمارس حرية الاختيار، ولكن في الحقيقة هو يتبع طريق الإجبار الطوعي من خلال هندسة صُممت فيها السردية، ووجه فيها الانتباه، وأُخفيت عنه زوايا أخرى من الفهم. لذلك لم يعد كافيًا أن يصل المواطن إلى المعلومات، بل صار الأهم أن يمتلك القدرة على مساءلة مصادرها، وفهم طريقة ترتيبها، والانتباه إلى القوى التي تتحكم في ظهورها واختفائها. فالمعرفة لم تعد عملية التقاط واستماع بل أصبحت وعيًا بكيفية صناعة الإدراك ذاته، حيث تمثل السيادة الإدراكية حجرًا وزاوية أساسية للحرية الإدراكية في زمن الخوارزميات؛ لأنها تمنح الفرد القدرة على أن يكون فاعلًا في تشكيل وعيه، لا مجرد وعاء يتشكل بناء على ما يوضع فيه من وراء الشاشات والأسماء المستعارة.

إن هذه الهندسة المضللة، رغم ضخامتها وتنوع أدواتها، واجهت جماهير عنيدة في الخليج كانت متماسكة بشكل جلي في البنية الجمعية للرأي العام الخليجي. فبينما عملت شبكات الحسابات الوهمية والأوكار الإلكترونية المغرضة على افتعال الاختلافات وتضخيمها، وتأجيج التوترات البينية، ومحاولة صناعة كراهية بين شرائح المجتمع الخليجي، جاء التحام الرأي العام الخليجي مع مواقف حكوماته ليشكل، في حد ذاته، خط دفاع أول أمام موجات التفتيت المنهجي. ويبدو أن محاولة زعزعة التماسك الداخلي لم تكن هامشًا عرضيًا في هذه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من جهة أخرى، بل هدف إستراتيجي مقصود، يُقرأ في سياق أوسع يسعى إلى منع تشكل موقف شعبي ورسمي موحد تجاه القضايا الخليجية الكبرى، وفي مقدمتها الوحدة الخليجية والمصير المشترك الذي بقي ثابتًا وسيظل كذلك لأن السيادة الإدراكية التي تحافظ عليها دول الخليج في مواجهة هذه الحرب تشمل أبعادًا عدة، من أهمها السيادة السردية. وهي قدرة الدولة والمجتمع على صياغة روايتهما الوطنية بوضوح ومصداقية، داخليًا وخارجيًا. وقد تجلّى ذلك في التفاف الجماهير الخليجية حول قياداتها ودعمها لمواقفها، انطلاقًا من الثقة بهذه القيادات وبقدرتها على التعبير عن المصالح الوطنية والخليجية. لكن هذه السيادة السردية لا تكفي وحدها، ما لم تُدعَم بوعي معرفي وسلوكي يعزز السيادة الخوارزمية، وهي ربما الأخطر في وقتنا الراهن. فالسيادة الخوارزمية التي يكون الهجوم من خلالها تعني فهم الطريقة التي تحدد بها خوارزميات المنصات الرقمية ما يراه المواطن، وما يُحجب عنه، وما يُعاد تكراره أمامه حتى يبدو كأنه حقيقة عامة أو أولوية ملحّة. ومن دون هذا الفهم، يمكن استغلال نقاط الضعف الإدراكية لدى الجماهير، والتحكم في الانتباه العام، وتغذية الشائعات، وصناعة قوالب ذهنية جاهزة يصعب الخروج منها. لذلك، فإن حماية السيادة الإدراكية لم تعد جانبا معرفيا هامشيا بل ضرورة وطنية ومجتمعية ملحة، وهي تبدأ بتعزيز التفكير والوعي، وتعرية الشائعات، وبناء قدرة جماعية على فهم السياقات لا الاكتفاء بالانفعالات اللحظية. فالغزو الذي لا تراه الرادارات قد يكون أخطر من الغزو المرئي؛ لأنه لا يحتل الأرض أولًا، بل يحاول احتلال المعنى، وإعادة تشكيل الجماهير من الداخل.