كاملة طرشي الصغير

أحيان كثيرة جدًا أفتح أي تطبيق من تطبيقات الهاتف النقال وأكتب في محرك البحث مكتبات، وبعد ثوانٍ تظهر لي صور المكتبات على مستوى العالم، قاعات كبيرة ودواليبها من الأرض حتى السقف، وفيها مئات الرفوف وممتلئة بعدد لا نهائي من الكتب، وكل كتاب فيه ذلك العدد من الكلمات. وفي كل دول العالم على سطح الكرة الأرضية بالكامل تأتي الكلمات نهرا فياضا لا ينضب ولا يجف ولا يتوقف، بل بالعكس ينبع كل يوم وكل يوم يعطي عطاء جزيلًا ومنوعًا ومتباينًا، في كل المجالات وفي كل الاتجاهات، والمادة الأولية لهذا الكم هي الكلمة والأدوات والمداد والورقة.

كم تدهشني وكم أقف مذهولة أمام تلك الصور، ولطالما أعدت هذه الخطوة كباب من أبواب السعادة في حياتي، وهذا الكم الهائل منذ الخليقة، فهناك من كتب على الجدران، وهناك من كتب على الحجارة، وهناك من كتب على الجلد، ومن كتب على الخشب، حتى استقر الأمر في الحلقة قبل الأخيرة إلى الكتابة على الورق، والورق أصبح له مواصفات خاصة من حيث الجودة والمقاس و ... و... ولكن ليست هنا البذرة الأولى للكلمة، البذرة الأولى للكلمة هي هبة الله، الله سبحانه وتعالى أودع في عقولنا ذلك البئر أو تلك العين أو ذلك النهر وأذن له بالاستمرار في الإمداد بشكل مستمر، وهذه من النعم التي أسميها هبات ربانية، تمامًا كما منح الإنسان التربة والماء والشمس لزراعة جميع النباتات الجميلة والثمار والخضار والأزهار على اختلافها، بنفس المواد الأولية التربة والماء والشمس.

منذ الخليقة إلى أن تقوم الساعة، الكلمة كنعمة لهل نفس مستوى وحجم وغزارة ذلك الفضل. لطالما توقفت عند قول الله تعالى في سورة الكهف (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا).

ومعنى ذلك أنها لن تنتهي ولن تتوقف ولن تنضب، وهذه المكتبات وهذه الكتب والمجلدات والموسوعات على ما فيها ستظل تُقرأ وستظل تنقل إرثا بعد إرث، ويضاف لها ما يضاف ويتجدد منها ما يتجدد ... حتى أنه في بعض اللغات أصبح ما يسمى بقواميس غريب اللغة، حتى تدرج في مفردات اللغة، فتصبح ضمن الكلمات الجديدة، وفي يوم من الأيام تصبح إرثاً قديمًا وهكذا.

وبحجم هذه الكلمات بالتأكيد حجم الأفكار والعلوم وتنوعها وتباينها واختلافها وتضادها واتساقها مع بعض، وهذا يقود إلى استنتاج هام وهو أن الكتب الورقية هي الناقل الموثوق الوحيد على الإطلاق، لأن الله سبحانه وتعالى جعلها ناقلة لرسالاته مع الأنبياء والرسل على مدى تعاقب الأمم.

لو كانت الذواكر سواء ذواكر الأشخاص أو الذواكر الإلكترونية أداة موثوقة أو أكثر موثوقية في نقل الكلمة أيًا كان مصدرها، لصمدت أمام التحريف أو الاندثار أو الضياع أو الفقدان.

وهذا يقودنا إلى استنتاج هام وهو على الأقل بقدر الاهتمام بالتوثيق في الذواكر الإلكترونية، يكون الاهتمام بالتوثيق على الورقة كناقل للكلمة التي هيأ الله سبحانه وتعالى لها الغزارة والاستمرار والثبات.

على مستوى آخر في الفكرة نفسها، الكلمة قوة كونية مثلها مثل القوى الكونية الظاهرية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والسيول، ولكنها قوة كونية أودعها الله في الكون وفي البشر وبين دفتي الكتب على أرفف المكتبات، وفي الألسن وفي خلاصات العلم، ولولا طوفان الكلمة لما رأينا هذه الاختراعات التي كانت في يوم من الأيام مجرد كلمات على دفاتر وأوراق، ثم تحولت إلى واقع.

إذا فعلًا الكلمة قوة كونية مستمرة في التدفق ولن تتوقف حتى تقوم الساعة.