محمد الحسيني

الهجرة في الوعي الإسلامي ليست انتقالا من أرض إلى أخرى، ولا خروجا اضطراريا تفرضه الظروف القاسية، بل هي موقف أخلاقي وحضاري لتمسك الإنسان بمبادئه حين تضيق به السبل، ورفضه الخضوع للظلم حتى وإن كانت تكلفته باهظة. ولهذا فقد شكلت هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة محطة بارزة وحدثا هاما أعاد صياغة مفهوم الانتماء والهوية، وأكدت قيم النصرة والإيثار والتكافل التي جسدها الأنصار في أروع صورها، والتي غدت نموذجًا إنسانيًا متجددًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.

واليوم، وبعد قرون طويلة، يجد اليمنيون أنفسهم أمام هجرة جديدة تجددت معها وبها الهجرة الأولى في الإسلام، ومن هذه المعاناة برزت معاني الأخوة والتضامن والإيواء، واستعاد اليمنيون، مهاجرين وأنصارًا، صفحات مشرقة من تاريخهم، الذي برز في بداية قصة الإسلام من خلال الأنصار، رضوان الله عليهم، حين استقبلوا نبي الإسلام في مدينتهم يثرب.

وفي الذاكرة الجمعية للأمة الإسلامية، يرتبط الأنصار، وهما قبيلتان يمنيتان (الأوس والخزرج) سكنتا يثرب قبل بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، باعتبارهما نموذجًا متفردًا في التضحية والإيثار. وبهما تحولت يثرب من مدينة تقطنها قبائل متفرقة متناحرة إلى مدينة حملت المشروع الحضاري الإسلامي وأسهمت في نشره إلى مشارق الأرض ومغاربها.

ولم تكن نصرة الأنصار مجرد استضافة لمهاجرين فارّين بدينهم من البطش والظلم الذي لاقوه في مكة، بل كانت إعادة تعريف للإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان وهويته التي ينتمي إليها، ولهذا فإن صلتنا كيمنيين بالأنصار تحمل إرثًا أخلاقيًا قائمًا على الهوية الجامعة لليمنيين منذ قديم الزمان يتمثل في نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإيثار الغير على النفس حين يستلزم الأمر ذلك.

ويقف اليمنيون اليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على ذلك المشهد وتلك الحادثة التي غيرت مجرى التاريخ، أمام منعطف خطير يستهدف وجودهم وتاريخهم وقوميتهم وإرثهم الممتد عبر هذه القرون. فقد وجدوا أنفسهم في ظروف تدفعهم نحو أيديولوجية مختلفة تحمل الطابع ذاته . ولما رفضوا هذه الظروف وقاوموها، وجدوا أنفسهم مهاجرين فارّين، في مشهد أعاد إلى ذاكرتهم خروج النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من مكة، واضطر أبناء اليمن لمغادرة مدنهم وقراهم ومنازلهم سعيًا للحفاظ على عقيدتهم ودينهم ومبادئهم.

وإن هذه الهجرة الجديدة التي هاجرها اليمنيون لم تكن مجرد انتقال من محافظة تشهد حربًا إلى أخرى آمنة، فما حدث في موجات النزوح والتهجير القسري خلال السنوات الأخيرة يمثل واحدة من أكبر المحاولات التي شهدتها اليمن لإعادة تشكيل بنيتها الاجتماعية والثقافية والعقائدية. وإن كانت الميليشيات قد نجحت في إجبار ملايين اليمنيين على ترك منازلهم وأعمالهم ومدارسهم وذكرياتهم، فإنها لم تستطع سلبهم حريتهم، ولا منظومتهم القيمية، ولا هويتهم الثقافية والعقائدية، بل أعادت هذه الهجرة لحمتهم بصورة أكثر قوة، وأزالت الفوارق الطبقية والاجتماعية التي حاولت الميليشيا تكريسها. ووجد اليمنيون أنفسهم في خندق واحد يبحثون فيه سويًا عن الكرامة والأمان. وولدت من رحم هذه المعاناة أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي، وأصبح المهاجرون جسدًا واحدًا تجمعهم الحاجة المشتركة والمصير الواحد، وتشكلت بيئة اجتماعية جديدة أكثر إيمانًا ووعيًا بقيم التعاون والتكاتف والتكافل.

وإن كانت المدينة المنورة قد جسدت في صدر الإسلام، وإبان هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، معنى النصرة والإخاء والإيواء، فإن مأرب اليوم وقفت الموقف ذاته وقدمت النصرة نفسها، ممثلة صورة بيضاء ناصعة أثبتت من خلالها أن أهلها أنصار يقتفون آثار أجدادهم الذين سكنوا يثرب قبل قرون طويلة. وتحولت هذه المحافظة إلى ملاذ آمن لملايين النازحين، وقدمت نموذجًا لافتًا في التعايش والتضامن الوطني، حتى صارت مثلًا يُحتذى به، وقدوة وطنية، وفكرة وهوية في قلب كل يمني.

وفي هذا المجتمع أثبت اليمنيون مرة أخرى أنهم عصيون على مشاريع التجهيل والتجريف. وفي مخيمات النزوح من المشاهد الإنسانية ما يلهم الأجيال؛ فقد تمسك النازحون والمهاجرون بمبادئهم، وحرص الآباء على مواصلة تعليم أبنائهم، كما واصل المدرسون والأكاديميون أداء رسالتهم، وهو ما مثل شكلا من أشكال المقاومة الثقافية والتعليمية في وجه مشاريع التجهيل وتسطيح الوعي، ورفض الأفكار الأحادية التي تُفرض على المجتمع، كما مثلت هذه الهجرة تعبيرًا عن الرفض الواسع والكبير لمحاولات فرض هويات تتعارض مع الهوية اليمنية الإسلامية الممتدة منذ الأزل، مرورًا بنجدة الأنصار للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في يثرب، وحتى يومنا هذا.

إن إرث الأنصار لم يكن حدثًا مرتبطًا بجيلهم الأول فحسب، بل هو قيمة حضارية متجددة. وقد أثبت اليمنيون خلال هذه المعاناة أنهم شعب لا تضيق به الأرض إلا وسّعها بالأمل والعمل. وما بين يثرب التي احتضنت نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم، ومأرب التي احتضنت أتباعه وحملة سنته ودينه، تتجدد قصة الإنسان اليمني الذي يأبى الضيم، ويرفض الظلم، ويتمسك بحقه في الحرية والكرامة.