عبدالإله عبدالله الطويان

لعل أول ما تبادر في ذهني بعد قراءة هذا الكتاب (الحجة) وأعني كتاب بنية الثورات العلمية لتوماس كون، هي مقولة الشاعر الفرنسي فاليري «مجرد فتحنا لصفحات الكتاب يمكنه أن يمنح أفعالنا رؤيا جديدة» والحق لست بصدد الحديث عن جمال القراءة وأهميتها التي لا تخفى على جليل علم القارئ العزيز، ولا أن أدبج آيات المديح في كتاب غير نظرتي الشخصية لشيء ما! نعم لا يمكنني غض الطرف عن الروابط العاطفية بيني وبين الكتب والقراءة، ولكن يجدر بي أن أوضح أن هذا الكتاب غيّر الفكر الإنساني بأكمله حول نظرته للعلوم وفلسفته الطافحة بالدهشة. ولعل أيضاً هذا الكتاب يصدق على مقولة فرنسيس بيكون (بعض الكتب وجدت لكيما تذاق، وبعضها لتبتلع، والبعض القليل لكي تمضغ وتهضم).

حسناً لأتحدث عن كتاب البنية، الذي سنجد توماس كون كان منشغلاً بسؤال يتجاوز تاريخ العلم نفسه وهذا برأيي كان أحد أهم الفوارق التي امتاز بها في كتابه الأثير، مثلاً يطرح أسباب تشبث البشر بالأفكار التي اعتادوا العيش داخلها، حتى عندما تبدأ تلك الأفكار بفقدان قدرتها على تفسير العالم! فالإنسان لا يسكن المدن فقط، وإنما يسكن التصورات أيضاً كما يصف كون، وعندما تتصدع تلك التصورات يشعر بما يشبه فقدان المنزل!

لهذا جاءت بنية الثورات العلمية أقرب إلى كتاب في الطبيعة البشرية منه إلى كتاب في فلسفة العلم. صحيح أن الصفحات تمتلئ بالفلك والفيزياء والكيمياء، لكن ما يتحرك في الأعماق هو قصة الإنسان مع يقينه، وعلاقته المعقدة بما اعتاد أن يراه حقيقة نهائية.

لعل أكثر ما أثار دهشتي أثناء القراءة هو هذا الحضور الاستثنائي لكتاب لا يتجاوز حجمه الفعلي حدوداً متواضعة مقارنة بأعمال فلسفية أكثر ضخامة حتى وإن قلنا بحدود المئات فهو أقل بقليل عما أحدثه. كيف استطاع هذا العمل أن يغير الطريقة التي ننظر بها إلى العلم؟ ما الذي جعل مصطلحاً مثل «البارادايم» يخرج من قاعات الجامعات ليصبح جزءاً من اللغة اليومية للمثقفين والباحثين وحتى السياسيين؟

كون لمس منطقة قلما انتبه إليها مؤرخو العلوم من قبله. فالعلماء، في تصوره يتحركون داخل عالم من المسلمات والافتراضات والأدوات والمفاهيم المشتركة. هناك إطار غير مرئي يحدد ما الذي ينبغي رؤيته، وما الذي يمكن تجاهله، وما الذي يستحق أن يسمى حقيقة.

يصف كون هذه الحالة بما يسميه «العلم العادي». وأثناء القراءة خطر لي أن هذا الوصف لا يخص المختبرات وحدها. كم من أفكار نعيش داخلها بالطريقة نفسها؟ كم من تصورات اجتماعية أو دينية نكررها كل يوم دون أن نفكر في الأساس الذي قامت عليه؟ الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستقرار المعرفي، لأن الشك الدائم مكلف نفسياً، ولأن الفوضى الفكرية ليست مكاناً صالحاً للإقامة الطويلة. لكن العالم لا يحترم رغبتنا في الاستقرار.

تبدأ الشقوق بالظهور تدريجياً. ظاهرة صغيرة هنا، سؤال معلق هناك، ملاحظة لا تجد مكاناً مناسباً داخل التفسير السائد. في البداية تبدو مجرد استثناءات عابرة، ثم تتكاثر حتى تتحول إلى ما يشبه الضوضاء التي تفسد انسجام الصورة القديمة. عند هذه اللحظة تبدأ الأزمة.

أعجبتني في الكتاب هذه الفكرة تحديداً: الأزمات لا تأتي من الجهل، وإنما من المعرفة نفسها!! فكلما اتسعت مساحة ما نعرفه، ظهرت مناطق جديدة من الغموض. المعرفة الحقيقية يجب أن تنجب أسئلة أكثر تعقيداً بدلاً من قمعها ولعل ما يخبرنا به طاليس قبل 2000 عام يصدق على زعمنا هنا «كلما زادت الأسئلة ظهرت الكتب من تلقاء نفسها».

سنجد ونذهل أيضاً حين يتحدث كون عن انتقال البشرية من بطليموس إلى كوبرنيكوس، أو من نيوتن إلى آينشتاين، في وصف طريقة الرؤية. أشبه بمن ينظر إلى لوحة سنوات طويلة ثم يكتشف فجأة أنها كانت تخفي صورة أخرى بالكامل!!والتي معها سيتغير العلم والعالم معاًً.

ولهذا تبدو الثورات العلمية في كتاب كون أقرب إلى التحولات الروحية الكبرى. فالعالم الذي يراه الإنسان بعد الثورة العلمية ليس العالم نفسه الذي كان يراه قبلها، حتى وإن بقيت الأشياء المادية في أماكنها. النجوم ذاتها، والكواكب ذاتها، والمعادلات ذاتها أحياناً، لكن المعنى الذي يمنحها الحياة أصبح مختلفاً.

وربما لهذا السبب تجاوز أثر الكتاب حدود فلسفة العلم. فالقارئ يشعر وهو يتقدم في صفحاته أن كون يتحدث عن كل شيء تقريباً. عن السياسة حين تفقد أفكارها القديمة قدرتها على الإقناع. عن الثقافة عندما تستنفد رموزها. عن المجتمعات التي تستمر في الدفاع عن تصورات لم تعد قادرة على تفسير الواقع الذي تعيشه. الحق بأن هذا الباقعة مثّل لي لحظة الانكسار التي تسبق الولادة الجديدة. ويجدر بي كذلك أن أشير لكارل بوبر الذي انشغل بسؤال: كيف نختبر صحة النظرية العلمية؟ لذلك أجد تقاربا إلى حد ما مع كون الذي اهتم أكثر بسؤال آخر متصل: كيف يقتنع الناس أصلاً بأن الوقت قد حان للتخلي عن نظرية عاشوا داخلها سنوات طويلة؟

ربما المتتبع لهذا الكتاب وأفكاره سيتفق بأن مثل هذه الأفكار يجب ألا تخص العلماء وحدهم أو الفلاسفة والمفكرين والأدباء، لا بد أن يرافق كل تحول فكري عميق في حياة الأفراد والجماعات.

بعد عقود من صدور هذا الكتاب لا تزال أفكاره حية على نحو لافت. لأن توماس كون قدّم تفسيراً تنبؤياً لتاريخ العلم علاوة على أنه فتح نافذة واسعة على الجانب الإنساني من المعرفة. الجانب الذي تتحرك فيه القناعات والمخاوف والعادات الذهنية والولاءات الفكرية جنباً إلى جنب مع المعادلات والتجارب.

أخيراً لا يجب أن نتعامل مع هذا الكتاب كونه تأريخاً للعلوم بقدر ما هو سيرة غير مكتملة للعقل البشري. ذلك العقل الذي يبني يقيناته بشغف، ثم يقضي جزءاً من تاريخه في الدفاع عنها، قبل أن يكتشف في لحظة ما إنها لم تكن سوى محطة مؤقتة في رحلة أطول بكثير.

وبالنتيجة نحن إزاء أحد أعظم منتجات العقل البشري ولعل ما يخبرنا به الكتاب في نهاية المطاف أن ‏تطور العلم ليس تراكميًا. آمن الناس طوال ألفي عام أن سرعة الأجسام المادية عندما تسقط من أعلى إلى أسفل تعتمد على كتلة الجسم كما قال أرسطو. يقول توماس كون «أن تطور العلم ليس متدرجاً أو تراكمياً بل يمر بثورات بنيوية دورية».

لكن يوجد منعطفات مهمة تغير وجه التاريخ، وهي أشبه بالثورات العلمية.. أكثر من ألفي عام والعالم يقتات على أفكار أرسطو أين تراكم المعارف هنا؟ حتى في عصرنا الحديث ما قدمته شركة أبل -على سبيل المثال- كان ثورة هائلة في مجالها وتحقق في عدة أعوام ما لم يتحقق في مئات السنين. العلم نهر جار لا يتراكم أبداً بل يجري وفي مجراه يستحدث ويتجدد.