أعترف أنني ظلمت فايز المالكي. ليس ظلمًا شخصيًا بالطبع، فالرجل لا يعرفني أصلًا، لكنني ظلمته بالطريقة التي نظلم بها كل من يحاول أن ينصحنا. أنصت إليه. وأوافقه. ثم أتجاهله.
كان يظهر في إعلان توعوي عن الحزام الناري. يجلس إلى جوار طبيب يتحدث بثقة عن المرض وعن اللقاح وعن ضرورة الوقاية. وكنت أشاهده بين الحين والآخر. أحيانًا وأنا أحتسي الشاي. وأحيانًا وأنا أعبث بالهاتف. وأحيانًا وأنا أفكر في أشياء أكثر أهمية بكثير. مثل نتيجة مباراة فريقي المفضل. أما الحزام الناري فلم يكن ضمن قائمة اهتماماتي. كان مرضًا يخص الآخرين. والآخرون هم فقط الذين يصابون بكل الأمراض الموجودة. أما نحن فلدينا حصانة خاصة منحنا إياها الغرور.
لكن المشكلة أنني بلغت الخمسين. والخمسون ليست عمرًا. الخمسون كمين. تدخلها وأنت تعتقد أنك الشخص نفسه الذي كنت عليه في الثلاثين. ثم تبدأ الأشياء في كشف الحقيقة لك بالتدريج. تصعد الدرج فتكتشف أن رئتيك لم تعودا متحمستين للفكرة. تستيقظ فتجد مفصلًا جديدًا يعلن تمرده. تنظر إلى المرآة فتكتشف أن الرجل الذي أمامك يشبه أباك أكثر مما يشبهك.
في ذلك اليوم شدني الإعلان. لا أعرف لماذا. ربما لأنني بدأت أشعر أنني صرت من الفئة المستهدفة.
وهذه عبارة مرعبة بحد ذاتها. أن تتحول فجأة من مشاهد للإعلان إلى فئة مستهدفة. جلست أستمع للطبيب. وهززت رأسي موافقًا. وقلت لنفسي:
يجب أن آخذ هذا اللقاح. ثم أضفت بثقة الرجل الحكيم: في الأيام القادمة.
أنا مقتنع أن الشيطان اخترع عبارة «في الأيام القادمة» ليست هناك عبارة أفسدت حياة البشر أكثر منها. في الأيام القادمة سنبدأ الرياضة. في الأيام القادمة سنزور الطبيب. في الأيام القادمة سنعتذر. في الأيام القادمة سنرتب حياتنا. في الأيام القادمة سنصبح أشخاصا أفضل. أما اليوم فدعنا نستمتع بحقنا المشروع في الكسل.
بعد أيام قليلة استيقظت وأنا أشعر بآلام خفيفة في مفاصل القدم وأخرى في مفاصل اليد، مع حكة بسيطة في جانب البطن. لم يكن الأمر مقلقًا. لكن شيئًا ما دفعني إلى المرآة. رفعت القميص. كان هناك طفح جلدي يمتد عرضيًا على امتداد البطن، كأنه حزام غير مكتمل رسمه رسام متوتر ثم ترك اللوحة قبل أن ينتهي. نظرت إلى انعكاسي في المرآة تلك النظرة التي يقول فيها الإنسان لنفسه:
«لا» ثم يضيف بعد لحظة: «نعم... يبدو أنه هو».
في المساء كنت أجلس أمام الطبيب. نظر إلى الطفح باهتمام ثم قال دون مقدمات:
«هذا حزام ناري».
كنت على وشك أن أشكره على هذه المعلومة الخطيرة التي لم أكن لأكتشفها بمفردي لكنه تابع:
«أنت تشعر الآن بلسعات متفرقة ونغزات مؤلمة».
قلت بابتسامة المنتصر:
«الحمد لله... لا أشعر بشيء من ذلك».
رفع رأسه ونظر إلي من فوق النظارة بتلك النظرة التي يحتفظ بها الأطباء للمرضى المتفائلين أكثر مما ينبغي. ثم قال: لا تستعجل. غدًا أو بعد غد.
قلت: «هل هي مؤلمة؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تعجبني إطلاقًا. وقال: «كلمة ألم لا تكفي».
وقد كان. في تلك الليلة بدأ العرض الحقيقي. شعرت أولًا كأن أحدهم يكوّي ملابسه فوق ظهري ثم نسي المكواة وانشغل بمكالمة هاتفية طويلة. بعد دقائق شعرت وكأن لصًا حقيرًا غرس خنجرًا أسفل بطني ثم بدأ يديره يمينًا ويسارًا ليتأكد من جودة عمله. كنت أتقلب في الفراش كسمكة خرجت للتو من الماء. كلما ظننت أن الألم بلغ قمته اكتشفت أن لديه طموحات أكبر.
وهكذا قضيت الليل بين مكواة مهملة وخنجر شديد الإخلاص لمهمته. وأحسب أن أطول مدة أغمضت فيها عيني كانت ربع ساعة كاملة.
في تلك الليلة جلست أفكر في أمور كثيرة. من بينها فكرة غريبة جدًا. كيف استطاع فيروس أن يبقى في جسدي عشرات السنين ثم يقرر الاستيقاظ الآن؟ ما الذي كان يفعله طوال هذه المدة؟ هل كان نائمًا؟ هل كان يراقبني؟ هل كان ينتظر عيد ميلادي الخمسين تحديدًا؟ الفكرة بحد ذاتها مرعبة. أن يكون هناك شيء داخلنا منذ عقود. صامت. هادئ. لا يلفت الانتباه. ثم يقرر فجأة أن يذكّرنا بوجوده.
الحقيقة أن الأمر لا يقتصر على الفيروسات. أليس هذا ما تفعله الذكريات أيضًا؟ وما يفعله الحزن؟ وما تفعله الأخطاء القديمة؟ نعتقد أن كل شيء انتهى. ثم نستيقظ ذات صباح لنكتشف أنه كان نائمًا فقط.
في الصباح اتصل بي صديقي العزيز أحمد العوضي. قال ضاحكًا:
«مش عوايدك يا باشا... إنت غايب ولا إيه؟»
قلت بصوت خافت:
«الحزام الناري».
ساد الصمت لثانية. ثم قال: «حزام إيه يا خويا؟» وأضاف وهو يضحك: «إنت جبت حزام مقاسك منين؟ أكيد تفصيل!»
ضحكت رغم الألم. الإنسان حين يبلغ الخمسين يكتشف حقيقة غريبة. الأصدقاء لا يملكون دائمًا حلولًا لمشاكلك. لكنهم يملكون القدرة على تحويل الكارثة إلى نكتة.
بعد أيام ظهر الإعلان مرة أخرى. فايز المالكي. والطبيب. والحوار نفسه. لكنني هذه المرة لم أكن الشخص نفسه. لأول مرة جلست أستمع حتى النهاية. ولأول مرة لم أشعر أن الإعلان موجه إلى شخص آخر. ولأول مرة أدركت أن المشكلة لم تكن في المرض. ولا في اللقاح. ولا حتى في الألم. المشكلة كانت في ذلك الوهم القديم الذي نحمله جميعا. وهم أن لدينا وقتا دائما. وقتا للفحص. ووقتا للراحة. ووقتا للاهتمام بأنفسنا. ووقتا لكل شيء. ثم تأتي الحياة بين حين وآخر لتقول لنا بلطف شديد:
لا يا صديقي... ليس بالضرورة.
أحيانا ترسل هذه الرسالة على هيئة صديق ناصح. وأحيانا ترسلها على هيئة طبيب. وأحيانا... ترسلها على هيئة فايز المالكي. لكنك لا تفهمها إلا عندما يقرر الحزام الناري أن يشرحها لك بنفسه.
كان يظهر في إعلان توعوي عن الحزام الناري. يجلس إلى جوار طبيب يتحدث بثقة عن المرض وعن اللقاح وعن ضرورة الوقاية. وكنت أشاهده بين الحين والآخر. أحيانًا وأنا أحتسي الشاي. وأحيانًا وأنا أعبث بالهاتف. وأحيانًا وأنا أفكر في أشياء أكثر أهمية بكثير. مثل نتيجة مباراة فريقي المفضل. أما الحزام الناري فلم يكن ضمن قائمة اهتماماتي. كان مرضًا يخص الآخرين. والآخرون هم فقط الذين يصابون بكل الأمراض الموجودة. أما نحن فلدينا حصانة خاصة منحنا إياها الغرور.
لكن المشكلة أنني بلغت الخمسين. والخمسون ليست عمرًا. الخمسون كمين. تدخلها وأنت تعتقد أنك الشخص نفسه الذي كنت عليه في الثلاثين. ثم تبدأ الأشياء في كشف الحقيقة لك بالتدريج. تصعد الدرج فتكتشف أن رئتيك لم تعودا متحمستين للفكرة. تستيقظ فتجد مفصلًا جديدًا يعلن تمرده. تنظر إلى المرآة فتكتشف أن الرجل الذي أمامك يشبه أباك أكثر مما يشبهك.
في ذلك اليوم شدني الإعلان. لا أعرف لماذا. ربما لأنني بدأت أشعر أنني صرت من الفئة المستهدفة.
وهذه عبارة مرعبة بحد ذاتها. أن تتحول فجأة من مشاهد للإعلان إلى فئة مستهدفة. جلست أستمع للطبيب. وهززت رأسي موافقًا. وقلت لنفسي:
يجب أن آخذ هذا اللقاح. ثم أضفت بثقة الرجل الحكيم: في الأيام القادمة.
أنا مقتنع أن الشيطان اخترع عبارة «في الأيام القادمة» ليست هناك عبارة أفسدت حياة البشر أكثر منها. في الأيام القادمة سنبدأ الرياضة. في الأيام القادمة سنزور الطبيب. في الأيام القادمة سنعتذر. في الأيام القادمة سنرتب حياتنا. في الأيام القادمة سنصبح أشخاصا أفضل. أما اليوم فدعنا نستمتع بحقنا المشروع في الكسل.
بعد أيام قليلة استيقظت وأنا أشعر بآلام خفيفة في مفاصل القدم وأخرى في مفاصل اليد، مع حكة بسيطة في جانب البطن. لم يكن الأمر مقلقًا. لكن شيئًا ما دفعني إلى المرآة. رفعت القميص. كان هناك طفح جلدي يمتد عرضيًا على امتداد البطن، كأنه حزام غير مكتمل رسمه رسام متوتر ثم ترك اللوحة قبل أن ينتهي. نظرت إلى انعكاسي في المرآة تلك النظرة التي يقول فيها الإنسان لنفسه:
«لا» ثم يضيف بعد لحظة: «نعم... يبدو أنه هو».
في المساء كنت أجلس أمام الطبيب. نظر إلى الطفح باهتمام ثم قال دون مقدمات:
«هذا حزام ناري».
كنت على وشك أن أشكره على هذه المعلومة الخطيرة التي لم أكن لأكتشفها بمفردي لكنه تابع:
«أنت تشعر الآن بلسعات متفرقة ونغزات مؤلمة».
قلت بابتسامة المنتصر:
«الحمد لله... لا أشعر بشيء من ذلك».
رفع رأسه ونظر إلي من فوق النظارة بتلك النظرة التي يحتفظ بها الأطباء للمرضى المتفائلين أكثر مما ينبغي. ثم قال: لا تستعجل. غدًا أو بعد غد.
قلت: «هل هي مؤلمة؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تعجبني إطلاقًا. وقال: «كلمة ألم لا تكفي».
وقد كان. في تلك الليلة بدأ العرض الحقيقي. شعرت أولًا كأن أحدهم يكوّي ملابسه فوق ظهري ثم نسي المكواة وانشغل بمكالمة هاتفية طويلة. بعد دقائق شعرت وكأن لصًا حقيرًا غرس خنجرًا أسفل بطني ثم بدأ يديره يمينًا ويسارًا ليتأكد من جودة عمله. كنت أتقلب في الفراش كسمكة خرجت للتو من الماء. كلما ظننت أن الألم بلغ قمته اكتشفت أن لديه طموحات أكبر.
وهكذا قضيت الليل بين مكواة مهملة وخنجر شديد الإخلاص لمهمته. وأحسب أن أطول مدة أغمضت فيها عيني كانت ربع ساعة كاملة.
في تلك الليلة جلست أفكر في أمور كثيرة. من بينها فكرة غريبة جدًا. كيف استطاع فيروس أن يبقى في جسدي عشرات السنين ثم يقرر الاستيقاظ الآن؟ ما الذي كان يفعله طوال هذه المدة؟ هل كان نائمًا؟ هل كان يراقبني؟ هل كان ينتظر عيد ميلادي الخمسين تحديدًا؟ الفكرة بحد ذاتها مرعبة. أن يكون هناك شيء داخلنا منذ عقود. صامت. هادئ. لا يلفت الانتباه. ثم يقرر فجأة أن يذكّرنا بوجوده.
الحقيقة أن الأمر لا يقتصر على الفيروسات. أليس هذا ما تفعله الذكريات أيضًا؟ وما يفعله الحزن؟ وما تفعله الأخطاء القديمة؟ نعتقد أن كل شيء انتهى. ثم نستيقظ ذات صباح لنكتشف أنه كان نائمًا فقط.
في الصباح اتصل بي صديقي العزيز أحمد العوضي. قال ضاحكًا:
«مش عوايدك يا باشا... إنت غايب ولا إيه؟»
قلت بصوت خافت:
«الحزام الناري».
ساد الصمت لثانية. ثم قال: «حزام إيه يا خويا؟» وأضاف وهو يضحك: «إنت جبت حزام مقاسك منين؟ أكيد تفصيل!»
ضحكت رغم الألم. الإنسان حين يبلغ الخمسين يكتشف حقيقة غريبة. الأصدقاء لا يملكون دائمًا حلولًا لمشاكلك. لكنهم يملكون القدرة على تحويل الكارثة إلى نكتة.
بعد أيام ظهر الإعلان مرة أخرى. فايز المالكي. والطبيب. والحوار نفسه. لكنني هذه المرة لم أكن الشخص نفسه. لأول مرة جلست أستمع حتى النهاية. ولأول مرة لم أشعر أن الإعلان موجه إلى شخص آخر. ولأول مرة أدركت أن المشكلة لم تكن في المرض. ولا في اللقاح. ولا حتى في الألم. المشكلة كانت في ذلك الوهم القديم الذي نحمله جميعا. وهم أن لدينا وقتا دائما. وقتا للفحص. ووقتا للراحة. ووقتا للاهتمام بأنفسنا. ووقتا لكل شيء. ثم تأتي الحياة بين حين وآخر لتقول لنا بلطف شديد:
لا يا صديقي... ليس بالضرورة.
أحيانا ترسل هذه الرسالة على هيئة صديق ناصح. وأحيانا ترسلها على هيئة طبيب. وأحيانا... ترسلها على هيئة فايز المالكي. لكنك لا تفهمها إلا عندما يقرر الحزام الناري أن يشرحها لك بنفسه.