كاملة طرشي الصغير

أي عنوان؟ بالتأكيد عنوان النص الأدبي من الأقصوصة حتى الرواية مرورًا بالمقال، مِن وهو لا يزال مسودة حتى يصدر ويصبح على أرفف دور النشر وفي مكتبات بيع الكتب وفي معارض الكتاب، العنوان يمثل خمسين بالمئة من النص والمتن يمثل خمسين بالمئة من النص، العنوان تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة، مسؤولية التقاط القارئ بل اصطياده وايضًا تقع على عاتقه مسؤولية عدم إفلات القارئ، ولذلك فهو يجب أن يكون قويا في ذاته في مكنونه في جوهره، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون رمزيا لدرجة أن يكون السبب في طرح عشرات الأسئلة في ذهن القارئ التي لن يشفي غليله إلا قراءة النص بالكامل.

وهنا تتجلى متانة ورصانة العنوان لأنه يلعب دورا يسيرا في خطين متوازيين فكون أنه سبب في التقاط القارئ هذا مستوى جذب عال يجعل القارئ يتوقف ولو لدقيقة أمام العمل الأدبي، وكون أنه سبب رئيسي في عدم إفلات القارئ بعد أن نجح في جذبه مستوى آخر ومهم جدًا لأنه هنا قسرًا يجب أن يكون رمزيا وغامضا ومحدودا وكأنه يمثل معلومات مقدسة - البوح بها محرم – عن النص لن تتضح ولن تتجلى إلا بقراءة العمل بالكامل، فلو كان العنوان كلمة أو كلمتين لكانت بمثابة السبب الرئيسي والوحيد لالتقاط الكتاب.

كارثة إذا كان العنوان يكشف مضامين العمل بسهولة وتلقائية لأن القارئ أساسًا يحتاج إلى قوة خاصة لشحذ همته في القراءة ورفع تركيزه وجذبه وإذا كان العنوان على تلك الحال فسيخسر القارئ بل ويفلته في أقل من دقيقة. ولو تجاوز القارئ - المهتم المتحمس العاشق – العمل وربطه باسم المؤلف مرة لتجاوزه كل مرة مهما قدم ومهما كان مستوى إنتاجه الأدبي في ما بعد.

وفي المقابل لو كان العنوان جملة تتكون من مجموعة من الكلمات لوقع في مأزق إفلات القارئ وببراعة عالية حيث إن منصات رقمية عالمية نجحت لأنها تتحرك في نص يقدمه المستخدم عبارة عن جملة واحدة أو جملتين مترابطتين وكفيلة بأن تنقل الفكرة بكل عمقها وقوتها من خلال هذا النزر اليسير من الكلمات ويتربع على عرش هذه المنصات تويتر وفيس بوك وصورة نص في كل من السناب وتيك توك ولذلك ودون مبالغة قد يكون العنوان سببا في خسارة القارئ والعكس صحيح، وكثيرًا ما نشتري كتب بناء على إثارة العنوان وفي البيت لا نستطيع أن نتجاوز أربعين صفحة من العمل.

وهناك مستوى آخر مختلف جذريًا، خارج دائرة جذب القارئ، قد يكون الكاتب خارج هذه الدائرة تمامًا ولا يركز على هذا الجانب أساسًا فهو يكتب للفكرة ويكتب للشعور، ويعيش داخل دائرة فكره وشعوره في علاقة طردية مع النص، يعيش مع النص كرسالة، المُسْتَقْبِل أو المُتلقي ليس ضمن دائرة أهدافه، وهنا يحضر العنوان في لحظة معينة ويكون حينها أصدق وأدق عنوان يمكن أن يحمل النص على أكتافه لأنه جاء نتيجة لحظة فكرية وشعورية كان الكاتب أقرب ما يكون فيها من النص فجاء تلقائيًا منسجمًا يجمع بين الرمزية وخلاصة الفكرة.