خالد ذياب البدراني

في عصرٍ تعاظمت فيه معايير النزاهة، وتزايد الاهتمام بالحوكمة والشفافية، وأصبحت كفاءة الأنظمة والإجراءات أحد أهم مؤشرات نضج المؤسسات، بات من الطبيعي أن تشهد اللوائح والتنظيمات مراجعات وتحديثات دورية تواكب المتغيرات وتستجيب للتحديات المستجدة. فالمؤسسات الحية لا تتجمد عند أنظمتها، بل تطورها باستمرار لتنسجم مع أفضل الممارسات والتجارب، وتحقق أعلى درجات الكفاءة والعدالة والفاعلية.

غير أن كثرة التحديثات والتعديلات على اللوائح قد تحمل دلالات مختلفة؛ فقد تكون مؤشراً صحياً يعكس قدرة المؤسسة على التعلم والتكيف والتطوير المستمر، وقد تكون في المقابل إشارة إلى وجود خلل في البناء التنظيمي أو ضعف في الفرق المعنية بإعداد اللوائح وصياغتها وتطبيقها.

وإذا كان الخلل ناتجاً عن نقص في الخبرة أو الكفاءة أو الجدارات المهنية، فإن علاجه ممكن من خلال التدريب والتطوير أو الاستقطاب والاستفادة من الكفاءات المتخصصة. لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما لا يكون الخلل مهنياً بقدر ما يكون أخلاقياً؛ حين تصبح القرارات رهينة للمصالح الشخصية والأهواء المتغيرة، وتُقدَّم المنافع الخاصة على المصلحة العامة، ويضعف الوازع المهني والأخلاقي لدى بعض من أوكلت إليهم مسؤولية حماية المنظومة وصيانتها.

عندها لا يعود الخلل مجرد قصور إداري يمكن إصلاحه، بل يتحول إلى بيئة خصبة لاستشراء الفساد المؤسسي في أكثر صورة خطورة؛ لأن من يفترض أنهم حراس المنظومة يصبحون جزءاً من المشكلة. فيُساء استخدام النفوذ والصلاحيات، وتُستغل الثغرات التنظيمية لتحقيق مصالح ضيقة على حساب العدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص.

ومن أبرز صور هذا الخلل أن تمتلئ اللوائح والقرارات والتعاميم بعشرات الصفحات من الشروط والضوابط والقيود والإجراءات التفصيلية، ثم تُختتم جميعها بعبارة واحدة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تهدم كل ما سبقها إن أسيء استخدامها: «يحق لصاحب الصلاحية الاستثناء من جميع هذه الضوابط والشروط».

وفي الأصل، لم تُوجد صلاحيات الاستثناء إلا لمعالجة الحالات النادرة التي لا تستوعبها النصوص الجامدة، ولحماية العدالة من أن تتحول إلى تطبيق آلي لا يراعي الظروف والملابسات الخاصة. فالاستثناء الرشيد ليس خصماً للحوكمة، بل أحد أدواتها عندما يُمارس في أضيق الحدود ولأسباب واضحة ومبررة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يفقد الاستثناء طبيعته الاستثنائية. حينها لا يعود أداة لتحقيق العدالة، بل يتحول إلى وسيلة للالتفاف عليها. فالاستثناء الذي صُمم لحماية العدالة من جمود النص قد يصبح أداة لهدم العدالة عندما يتحول إلى بديل عن النص نفسه.

وهنا تبدأ المفارقة؛ فبينما تُستخدم اللوائح بحذافيرها لرفض الطلبات الاعتيادية وإغلاق الأبواب أمام المستفيدين، تصبح ذات اللوائح مرنة إلى أقصى الحدود عندما يتعلق الأمر بطلبات تحظى برعاية أصحاب النفوذ أو الدوائر المقربة. وتتحول عبارة الاستثناء إلى مفتاح ذهبي قادر على تجاوز كل ما بُني من ضوابط ومعايير ومسوغات.

ومع مرور الوقت تتراكم الاستثناءات، ويتكرر استخدامها حتى تفقد اللوائح هيبتها وفاعليتها. فلا يعود العاملون ولا المستفيدون ينظرون إلى النصوص التنظيمية باعتبارها المرجع الحقيقي للقرار، بل يبحثون عمّن يملك صلاحية تجاوزها. وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة تتبدل الأدوار؛ فبدلاً من أن يكون الاستثناء حالة نادرة تفرضها ظروف استثنائية، يصبح هو المسار المعتاد، بينما تتحول اللائحة نفسها إلى مجرد خيار ثانوي لا يُعمل به إلا عند الحاجة.

ولعل من أبسط الأمثلة على ذلك أن تضع جهة ما شروطاً واضحة لشغل منصب أو الحصول على ميزة أو فرصة معينة، ثم تترك باباً واسعاً للاستثناء من تلك الشروط. ومع تكرار اللجوء إلى هذا الباب، يصبح الاهتمام بالحصول على الاستثناء أهم من الاهتمام باستيفاء المتطلبات نفسها، فتفقد الضوابط قيمتها العملية، ويتراجع أثرها في تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.

ولا يعني ذلك أن صلاحيات الاستثناء ينبغي أن تُلغى بالكامل، فالحياة العملية لا تخلو من حالات خاصة تستدعي قدراً من المرونة. لكن هذه الصلاحيات يجب أن تكون محكومة بضوابط دقيقة، ومبررات موثقة، ورقابة فعالة، وإفصاح يضمن عدم تحولها إلى بوابة خلفية للالتفاف على الأنظمة أو تمييز الأفراد أو تعطيل العدالة.

فاللائحة الجيدة لا تُقاس بعدد صفحاتها ولا بكثرة قيودها، بل بقدرتها على أن تكون المرجع الفعلي للقرار. أما حين يصبح الاستثناء أقوى من القاعدة، وأكثر حضوراً من النظام، وأيسر تطبيقاً من اللائحة، فذلك مؤشر يستحق التوقف والتأمل.

وحين يفقد الناس ثقتهم بأن اللوائح هي التي تحكم القرارات، ويوقنون أن الاستثناء هو الطريق الأقصر لتحقيق المصالح، فإن الخسارة لا تكون في مخالفة إجراء هنا أو تجاوز شرط هناك، بل في تآكل الثقة بالمؤسسة نفسها. وتبقى الثقة المؤسسية أصعب الأصول بناءً، وأعلى الخسائر كلفةً، وأطولها زمناً في التعافي.

لذلك فإن قوة أي منظومة لا تكمن في قدرتها على منح الاستثناءات، بل في قدرتها على جعل الاستثناء نادراً، ومبرراً، وخاضعاً للمساءلة. أما حين يصبح الاستثناء هو الأصل، فلا تعود اللوائح حاكمة للقرارات، بل تصبح هي الاستثناء الحقيقي.