إبراهيم نيازي

عندما تتسابق خطوات الإنسانية صَوبَ ميادين المروءة للمساهمة في حملات التبرع للديات، وإصلاح ذات البين، فإن الحكمة والفطنة مطلوبتان من الجميع لمراعاة التوازن بين مشاعر الحُزن لأسرة مكلومة، وأخرى تتمسك بفُسحة أمل وسراج رجاء.

ومن الأشياء التي نفتخر بها في وطننا المعطاء الاستجابة السريعة من مجتمعنا السعودي النبيل لكل نداء إنساني، يهدف إلى الخير، وتفريج الكربات. وحتى يستمر هذا الثراء الاجتماعي كمعالم صادقة للوفاء بين الناس، وقدوة حسنة للأجيال، فإن تجمعات أعداد كبيرة أثناء تقديم مساهمات الديات، وما يصاحبها من " عرضات ودمات" وغيرها، وصفوف استقبال طويلة، تشوه المعاني الجميلة لصنائع المعروف، وتخدش صور التكافل الاجتماعي وتنزع روحه الحقيقية.

ربما يقول قائل إن تلك التجمعات هي رسائل تبين حضور القبيلة الفلانية، وما قدمته من عطاء، وهذا تبرير غير صحيح، فليس من المنطق أن تتحول المساهمات في الديات إلى أفراح ومباهاة تكون انعكاساتها سلبية على نفوس الآخرين.

ولا شك أن مشايخ القبائل والنواب هم من أهل الفضل، ويحظون بثقة ولاة الأمر، ومحبة الناس، ودائما لهم

مشاركات اجتماعية حافلة بالتعاون والإيثار والمساعدة، والاحتفاء لكل ما يهم الوطن الحبيب.

وطالما أن حساب الديات بتصريح رسمي يتم نشره فلماذا لا يقوم وفد مكون من عشرة أشخاص، يمثلون القبيلة لأداء الواجب، وتطييب الخواطر، وتسليم المبلغ الذي جمعوه؟.

ومن المناسب أن أُشير إلى مبادرات مضيئة منذ أعوام للشيخ على بن سعد آل مفرح شيخ قبائل - بني مغيد، وبني نمار- أعلن فيها مواقفه الصريحة في قضايا الرقاب، وحذر أكثر من مرة من التجمعات والمبالغة في الديات، وآخرها تعميمه الذي وجهه إلى عموم نواب قبيلة بني مغيد بعدم جمع المبالغ المالية، وأن الجهات الرسمية تُتيح الحسابات المعتمدة، ويكون فيها الإيداع مباشرة.

ورأى أن الالتزام بذلك يقطع الحاجة إلى وسطاء، ويلغي تجمعات تحمل طابع المباهاة والرياء.

يؤكد الكاتب أدهم الشرقاوي في كتابه «إلى المنكسرة قلوبهم» أن لكل شيء أدب، والعطاء شيء من الأشياء، وله أدب أيضاً.

وقال: "الناس قبل أن يكون لديهم حاجات فإنَّ لديهم كرامات، وترميم كرامة الإنسان لا تقل نُبلاً عن ترميم حاجته، فالحاجة مُرة ولا يُخفف مرارتها إلا حُسن الأسلوب في أدائها.